رضوان مرتضى

أثناء قيام القنصل العراقي بزيارة سجن رومية للاطلاع على أوضاع السجناء العراقيين فيه، سلّمه أحد الموقوفين رسالة يطلب فيها منه التدخّل لرفع الظلم اللاحق به. فقد ادّعى الموقوف المذكور في رسالته أن محكمة الجنايات حكمته ظلماً بالسجن لإدانته بجناية القتل. وشرح الموقوف في رسالته تفاصيل توقيفه، مؤكّداً براءته من جُرم القتل. لم يكتف صاحب الرسالة بنفي التهمة عنه، بل أدلى بمعلومات خطيرة تتحدّث عن وجود القاتل الحقيقي في الزنزانة نفسها معه، لكنه موقوف بتهمة السرقة وينتحل اسماً وهمياً، ويدعى علي م.
لم يغضّ القنصل العراقي النظر عن الكتاب الذي تسلّمه من الموقوف، بل سلّمه إلى السفارة العراقية لمعرفة تفاصيله، قبل أن ترسله الأخيرة إلى النيابة العامة التمييزية التي اطّلعت على الموضوع وكلّفت آمر سجن رومية آنذاك بفتح تحقيق في الموضوع.
تدخّل السفارة العراقية وأهمية المعلومات المزعومة دفعت المسؤولين إلى فتح تحقيق لمعرفة ملابسات القضية. بدأت التحقيقات مع الموقوف أنور ف. الذي كتب الرسالة وسلّمها إلى القنصل العراقي أثناء زيارته المذكورة. تمسّك الموقوف بكل كلمة وردت في رسالته، مكرّراً مضمون رسالته أثناء الاستجواب. ذكر الموقوف أنه تعرّف إلى الموقوف علي م. عندما أُحضر الأخير إلى سجن رومية بتهمة نشل أحد المواطنين. قال إنه تعرّف إلى وجهه فوراً، إذ كيف ينساه وهو المسؤول عن سجنه ظلماً بجريمة لم يرتكبها. وأشار إلى أن علي هو الشخص الذي كان قد رافقه سابقاً إلى منزل المغدور أنطوان س.، لافتاً إلى أنه كان يُعرّف الجميع عن نفسه باسم «حمودي». روى المتهم أنور تفاصيل جريمة القتل كما حصلت، مؤكّداً أن حمودي هو من قتل المغدور أنطوان بعد ممارسة اللواط معه. لم ينف أنور عدم وجوده مطلقاً، لكنه لفت إلى أن القوى الأمنية قبضت عليه بعد وقوع الجريمة، ليُتّهم بعد ذلك بارتكابه جريمة القتل. أما عن مصير القاتل المُفترض «حمودي» وأماكن وجوده، فقد ذكر أنور أنه فرّ إلى جهة مجهولة ولم تُعرف أي تفاصيل عنه منذ ذلك الحين. استدعى المحقّقون المدّعى عليه علي للتأكّد من حقيقة المعلومات التي يسوقها الموقوف أنور. فتبيّن أن علي م. أدلى عند الاستماع إليه بإفادة مشابهة لإفادة المتهم أنور ف. معترفاً بأنه هو من قتل أنطوان س. وليس المتهم أنور ف.

هدّده بأنه سيُرسل من يقتل عائلته في العراق إن لم يوافق على طلبه
الاعتراف الذي أدلى به علي في روايته لم يكن مطابقاً للرواية التي نقلها أنور. لذلك، ونظراً إلى وجود بعض التناقض بين إفادة المتهم أنور ف. وإفادة علي م. استُجوب الأخير مجدداً للوقوف على سبب التناقض الموجود. لكنّ علي تراجع عن إفادته السابقة بأكملها، مبيّناً أن المتهم أنور ف. هو الذي أقنعه، بالترغيب والترهيب، بالإدلاء بإفادته الأولى. قال علي إنه سيقول الحقيقة كاملة كما هي، فأشار إلى أن المتهم أنور طلب إليه أن يقول إنه ملقّب بحمودي خلافاً للواقع. كذلك طلب إليه أن يعترف زوراً بأنه قتل أنطوان س. وخنقه بغية حصوله هو على البراءة من الجريمة التي ارتكبها هو بالفعل. أما المقابل، فكان مبلغ أربعة آلاف دولار أميركي كان سيقبض منها مبلغ ألف دولار مقدّماً. وذكر أن المتهم أنور أقنعه بأنه سيعاقب بعقوبة مخففة، لكونه كان قاصراً عند حصول جريمة القتل. وذكر علي أن الأخير لم يكتف بترغيبه فقط، بل استخدم معه الترهيب، حيث هدّده بإرسال شخص ليقتل عائلته في العراق إذا لم يستجب لطلبه. وذكر علي أنه أدلى بإفادته الأولى بسبب الضغوط التي خضع لها، مشيراً إلى أن المتهم أنور لقّنه إيّاها حرفياً بعد أن حفّظه القرار الاتّهامي غيباً.
أُعيد استجواب المتهم أنور ف. فأكّد في التحقيق الابتدائي أقواله السابقة، نافياً إقدامه على ترغيب علي م. أو حتّى ترهيبه. بدوره أكّد علي م. أقواله التي أدلى بها في المرحلة الثانية من التحقيق، مشيراً إلى أنّ المتهم أنور ف. كان يهدّده بالانتقام من أهله في العراق، وأنه راح يقنعه مع شخص آخر يدعى حسين ز. بأن ينفّذ بما اتّفقوا عليه مقابل حصوله على أربعة آلاف دولار أميركي. ولفت علي إلى أنه عند تفريقه عن المتهم عاد وأعطى إفادته الصحيحة، مؤكّداً أن لا علاقة له بجريمة القتل. وفي التحقيق النهائي، كرّر المتهم أقواله السابقة، ونفى الشاهد حسين ز. أن يكون أنور قد رغّب علي م. بالمال للاعتراف بجريمة القتل. كذلك نفى أن يكون قد سمع المتّهم يهدّد علي م.، لافتاً إلى أنه فهم أنهما كانا معاً عند قتل المغدور.
قررت محكمة الجنايات في جبل لبنان تجريم المتهم أنور ف. بجناية المادة 304/2 من قانون العقوبات، وإنزال عقوبة الأشغال الشاقة بحقّه لمدة ثلاث سنوات. كذلك قررت المحكمة معاقبة علي بالسجن لمدة ثلاثة أشهر.