خليل صويلح

اكتشف أيمن رضا موهبة التمثيل والغناء والرسم في الحمّام. البيت الضيّق (35 متراً) في حي مأذنة الشحم الدمشقي، لم يتِح له مكاناً للتعبير عن ذاته كما يرغب. كان يغلق الباب على نفسه لتقليد شخصيات مشهورة مثل محمد طه ومحمد العزبي والجيزاوي، ثم يخرج إلى الحارة لتقديم وصلة غنائية تمتد ساعتين يومياً، وهو ما خوّله أن يصبح مطرب الأعراس الأول في حارته المغلقة على ذاتها.
في المدرسة، كان يرسم لزملائه واجباتهم مقابل خمس وعشرين ليرة لكل واجب، لكنه كان يحصل على علامات منخفضة في ما يخص رسمته لعدم اعتنائه بها. في المكتبة الظاهرية وفناء الجامع الأموي، وحمّام بيته، كان ينجز وظائفه المدرسية، إلى أن قرر ذات يوم أن يتمرّد على جدران الحارة ويستكشف ما وراءها، إثر مشاجرة مع أمه. لكنه اضطر إلى العودة بعد ليلة واحدة قضاها في دكان لصناعة قوالب التماثيل.
كان والده العراقي الذي يعمل على شاحنة لنقل البضائع بين دمشق وبغداد قد هجر العائلة واستقر في العراق، ما وضع طفل السنوات الثلاث أمام اختبارات عاطفية قاسية، ومهن متعددة. لكن روح التمرّد لم تفارقه يوماً. عمل في مطبعة، ودليلاً سياحياً على طريقته: «كنت أرافق السياح إلى بيوت دمشق القديمة، وأطلعهم على عادات السكان وحياتهم اليومية، ونمط عيشهم». ولأنه لم يكن يجيد لغات أجنبية، تعلّم بأن يوصل أفكاره بالإشارة: «هذا ما أفادني لاحقاً في مهنة التمثيل»...
كانت واحدة من أمنياته، في تلك الفترة، أن يقتني كاميرا للتصوير إلى أن تمكّن من سرقة كاميرا يمتلكها سائح عجوز، وراح يلتقط صوراً لم يكن يلتفت إليها السياح خلال جولاتهم في المدينة القديمة.
كانت كل ظروفه مهيأة لأن يصبح رسّاماً. لكن مصادفة قادته من كلية الفنون الجميلة التي كان ينوي الانتساب إليها، إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، إذ نصحه زميل دراسة بالتوجه إلى التمثيل. هكذا اختار مشهداً من «الملك لير» وتوجه إلى اللجنة الفاحصة، وقُبِلَ في المعهد. «كانت حصيلتي الثقافية مئات الساعات التلفزيونية التي شاهدتها بإدمان، من العَلم إلى العَلم»، يقول.
أثناء دراسته في المعهد خبر حياةً أخرى، خارج الحارة. فراح يكتشف أنماطاً مختلفة من العيش، أتاحت له التعرّف إلى ثقافات جديدة ومتباينة. يتذكّر بامتنان فضل فواز الساجر عليه في فهم مبادئ التمثيل، وجواد الأسدي في ضبط إيقاع الجسد، وصولاً إلى دروس الموسيقى التي كان يمضي وقتاً طويلاً في تمارينها: «كنت أعزف على البيانو كما لو أنه عود شرقي في ارتجالات دائمة».
في عرض التخرّج «رأس المملوك جابر» لسعد الله ونوس وجواد الأسدي، برع في أداء أربع شخصيات ثانوية. لفتت الانتباه إلى حضوره الخاص، ثم تتالت أدواره في المسرح عبر أعمال مثل «حكاية موت معلن»، و«ليالي الحصاد»... إلى أن اختاره المخرج سليم موسى للعمل في مسلسل تلفزيوني بعنوان «جسر البيت»، ثم مأمون البني في «نساء بلا أجنحة». بعد ذاك خانته الفرص، فقرر أن يهجر التمثيل، ويفتتح في حارته مشغلاً للتطريز. «لم يخني إحساسي بأن مهنة التمثيل لن تنقذني من وضع اقتصادي بائس، فقد كان أجري في المسرح 900 ليرة فقط لا غير».
أثناء تصوير مسلسل تلفزيوني في الحارة التي يقطن، دخل المخرج فردوس أتاسي إلى مشغل التطريز لتصوير أحد المشاهد، ففوجئ بوجود طالبه القديم في المعهد وراء ماكينة التطريز. وأصرّ على منحه دوراً في المسلسل، إلى أن اختاره نجدة أنزور للعمل في مسلسل «نهاية رجل شجاع»، ليعود إلى مهنته الأولى بقوة.
سلسلة «بقعة ضوء» كرّسته ممثلاً كوميدياً من طراز خاص، لكن أيمن رضا يرفض هذه الصفة تماماً: «أنا ممثل بلا ألقاب، ولديّ من التراجيديا البيئية أكثر مما لديّ من الكوميديا». في قراءة الشخصيات التي لعبها هذا الممثل البارع ننتبه إلى بصماته الخاصة في تأثيث الشخصية وتأجيج روحها بعناصر وثيمات لافتة، تؤكد على أفكار جوهرية يعتبرها في صلب رسالته الفنية.
عن تجربته في «بقعة ضوء» يقول: «لعبت عشرات الشخصيات التي استمددتها من محيطي. وفي السلسلة الجديدة منها، ركّزتُ على قضايا مهمة كالبطالة، والفساد، والرشوة، والشرف. الدراما السائدة تتقاعس، للأسف، عن مواكبة ما يواجهنا من كوارث اجتماعيّة وإنسانيّة». ثم يستدرك: «الدراما السورية اليوم تفتقد الخطط الاستراتيجية، بعدما وقعت تحت سطوة المعلن، فهو وحده من يرسم خيارات هذه الدراما وتوجهاتها. ولعل «ثقافة باب الحارة» أسطع مثال على ذلك، إضافة إلى موجة المسلسلات البدوية. فكلتاهما تعيداننا إلى ذهنيّة القرن التاسع عشر وقيمه البالية».
نذكّره هنا بأنّه شارك في بعض تلك الأعمال التي يدينها، فيجد تخريجته: «أرجو أن أُحاسب كممثل فقط». لا يتوانى أيمن رضا عن إعلان سخطه مما يحيق بمهنته من انتهاكات «لا مهنيّة»، وهيمنة ثقافة الملاهي على الساحة الفنية: «فتّش عن ثقافة سارية السواس». هكذا واظب الممثل على توسيع المربع الضيّق بخطوات بطيئة لكن واثقة، مشتغلاً على تأصيل الهامش، وإضاءة شخصيات قادمة من القاع.
لن ينسى المشاهدون دوره المؤثر في مسلسل «الانتظار» مع المخرج الليث حجو: عامل جلي البلاط الذي يعيش في إحدى عشوائيات دمشق، ينبش بعمق ارتباكات شخصية مهزوزة ومدمّرة من الداخل. يقول: «لم أشتغل دوراً كما هو على الورق، بل أضفت إليه ملامح مستمدة من شخصيات أعرفها جيداً». ويراهن اليوم على شخصية لعبها في مسلسل «ملك التاكسي» التي يرى أنها ستكون علامة في مسيرته الفنية. ويؤكد مرةً أخرى أن جيله ألغى حضور البطل الأوحد، لمصلحة العمل المتكامل «أسعى إلى إكمال الصورة الممحوة، والتركيز على الجانب المعتم فيها، فهناك تكمن متعة اللعب».
أصوله العراقية لم تمنعه من أن يتشبّع من البيئة الدمشقية في كل سلوكياته: «أفضّل المقاهي الشعبية على الأماكن الفاخرة، وأحس بالاختناق حين أضطر إلى ارتداء ثياب رسمية وربطة عنق. وفي السياق نفسه، أعترف هنا بأنني لم أجد نفسي في أي حزب سياسي».



5 تواريخ

1962
الولادة في دمشق لأب عراقي وأم سوريّة

1984
أنهى دراسته في المعهد العالي للفنون المسرحية

1985
إطلالته الأولى على الخشبة في مسرحيّة سعد الله ونّوس «رأس المملوك جابر» كما أخرجها جواد الأسدي

1994
شارك في مسلسل «نهاية رجل شجاع» مع نجدت أنزور

2010
كتابة وتمثيل لوحات تلفزيونية في سلسلة «بقعة ضوء»