سبّبت الخلافات الطائفية والطبقية تأجيل الانتخابات البلدية في بلدة تعنايل، وقبل أن يحدَّد موعد جديد لها أعلنت بلدية زحلة موافقتها على طلب مقدّم منذ عام 1995 لضمّ البلدة إليها ما يثير مخاوف البعض


تعنايل ــ أسامة القادري
كان يُفترَض بأهالي بلدة تعنايل أن يكونوا في انتظار قرار يصدر عن وزارة الداخلية والبلديات، يحدّد لهم موعداً لإجراء انتخابات بلدية جديدة، هم الذين حُرموا الانتخاب بسبب الخلافات الطائفية، التي حالت دون توافقهم على توزيع المقاعد التسعة بين المسلمين والمسيحيّين في البلدة. إلّا أنّ ما يُنتظَر صدوره قريباً يتعلّق بموافقة الوزارة، أو عدمها، على قرار بلدية زحلة الموافقة على ضمّ تعنايل إليها، بناءً على طلب كان قد تقدّم به عدد من أبناء البلدة عام 2005، وهو طلب كانت البلدية السابقة قد رفضته.
ويتخوّف عددٌ من أهالي البلدة، ولا سيّما المسلمون منهم، من محاولات تقوم بها شخصيات سياسية واجتماعية للضغط على وزارة الداخلية والبلديات، ودفعها إلى الموافقة على ضمّ تعنايل إلى زحلة. ولا يتردّد بعضهم في القول إنّ قرار الموافقة على الضمّ نزل نزول الصاعقة عليهم. إذ رأى محمد أسعد شقيف، أحد وجهاء البلدة، في القرار «تذويباً لأصواتنا نحن مسلمي تعنايل في المجتمع الزحلي المسيحي». ويتّهم الرجل أحد النافذين في المنطقة بأنه هو صاحب خطة الضمّ من أجل مصالحه الشخصية، «وقد استطاع أن يأخذ موافقة رئيس بلدية زحلة والأعضاء على الأمر، وخصوصاً أنّ غالبية مسيحيي تعنايل مغتربون، أو يقطنون خارج البلدة».
ويأسف شقيف لأنّ السبب الذي يساعد صاحب الخطة على الوصول إلى غايته هو «أنّ جميع الأفرقاء تريد التعاطي مع المجنّسين على أساس أنهم ليسوا بشراً، بل آتون من المريخ»، وبذلك تبقى «وصمة التجنيس عاراً» على الأحياء السكنية، لتبرير حرمانهم حقوقهم الإنمائية، «مع أننا جزء أساسي من تعنايل، ومنّا من يحمل السجل الرقم واحد، ما يعني أننا أساسيون في البلدة، ولسنا جميعنا دخلاء، كما يحب البعض أن يسمّي المجنّسين». ويستطرد شقيف «البلديات السابقة لم تقم بأعمال إنمائية في الأحياء التي نسكنها»، ويعود بالذاكرة إلى عام 2005 تاريخ حلّ المجلس السابق للبلدية بعد استقالة ستة أعضاء منه «لعدم قبول رئيس البلدية وجود أعضاء مسلمين». وعلى ضوء قبول الاستقالة الجماعية، حدّد موعد لإجراء انتخابات بلدية جديدة في أيلول من عام 2006 إلّا أنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان أتى عليها. هكذا انتقلت مسؤولية الأعمال الإدارية والإنمائية في البلدة إلى المحافظ، في انتظار الاستحقاق البلدي الأخير... الذي أجّلها.
الأسباب التي أدّت إلى حرمان البلدة خوض الاستحقاق البلدي شرحها نائب الرئيس السابق للبلدية، محمد جمعة، مستغرباً ما وصلت إليه الأمور، بعد تدخّل رئيس الحكومة، سعد الحريري، لمصلحة إنجاز التوافق. يقول جمعة: «دُعينا إلى قريطم للاجتماع ورئيس الحكومة لحلّ المعضلة التي كانت عالقة، وقد اتفقنا على أن يكون لنا أربعة أعضاء، بمن فيهم نائب الرئيس، مقابل خمسة أعضاء للمسيحيين ورئاسة المجلس ومقعد المختار»، ولفت إلى أن الرئيس الحريري أبلغ الجميع الاتفاق، و«بعد أسبوع تقريباً فوجئنا بانسحاب المرشحين المسيحيين الستة، ما سبّب تأجيل الانتخابات».
ويحمّل جمعة مسيحيي البلدة المسؤولية «بسبب عدم اعترافهم بوجود المسلمين، ولا بلوائح الشطب التي تؤكّد أننا الأكثرية، إذ يوجد في تعنايل 450 صوتاً سنياً من أصل 750، و285 مسيحياً و15 صوتاًُ شيعياً». على الرغم من ذلك يستغرب جمعة «رغبة البعض في بقاء العرف القديم قائماً، الذي يقضي بأن يكون جميع الأعضاء من المسيحيين، على اعتبار أنّ المسلمين فيها تسلّلوا إليها، وغيّروا واقعها الديموغرافي». وتمنّى جمعة على وزير الداخلية عدم الموافقة على الضمّ طالما هناك مواطنون في البلدة يرفضون هذا
المشروع.
متابع للتفاصيل المرتبطة بهذا الملف يرى أن مشكلة تعنايل قد لا تنتهي مع ضمّها إلى مدينة زحلة، بل قد يكون لهذا الأمر تبعات مستقبلية سلبية على عاصمة البقاع. ويوضح أنّ أحد أهمّ الأسباب التي جعلت بلدية زحلة توافق على «الضمّ» هو المردود المالي الكبير الذي تحظى به بلدية تعنايل لتشعّب مساحتها العقارية، ولوجود عدد كبير من المعامل والمصانع والمحال التجارية فيها، إضافةً إلى المؤسسات المالية الضخمة. ويجزم بأنه إذا وافقت الوزارة على الضمّ «فسنسمع في المستقبل اتهاماً يوجّهه أهالي زحلة إلى أهالي تعنايل باحتلالهم لمدينتهم، بهدف إخلال التوازن الطائفي فيها».
ويرى أن حلّ هذه المعضلة في تعنايل، وغيرها من القرى التي يرى أهلها «الأصليّون» أنّ المجنسين طارئون على قراهم، بيد السلطات المعنية، وخصوصاً وزارة الداخلية، «التي يجب عليها أن تضع اللبنانيّين المجنّسين أمام مسؤولياتهم الوطنية والقانونية، وذلك من خلال موافقتها على أن تكون مواقع سكنهم بلدات قائمة على المكوّنات الحياتية والإنمائية، كباقى البلدات اللبنانية». ويقول: «طالما أصبح أمر التجنيس واقعاً لا مفرّ منه، ولا يمكن بعد مرور أكثر من عشر سنوات على تجنيسهم نزع الهوية منهم». ويرتكز برأيه على دراسة تفيد أنّ المجنسين القاطنين في البقاع، يتجمّعون في مناطق جغرافية محدّدة، «ففي خراج تعنايل يقطنون في منطقة أطلقوا عليها اسم الجدعانية، «لتكن هذه قريتهم كي ينتخبوا فيها مختاراً، وتناط أمورهم الإنمائية بالمحافظ ريثما تحصل على حق انتخاب مجلس بلدي كما يفرض القانون». بهذه الفكرة يجد الحل في تخطي مشكلة عدم الثقة بين الطرفين، والمشكلة الطبقية والإنسانية التي تبرز بمجرد الحديث عن أسباب الإشكالية.