ارتفعت نسبة مشاركة النساء في المجالس البلدية من دون أن يمثّل هذا الأمر إشارة إلى وعي نسائي، بقدر ما جاء تلبية لقرارات الرجل، وخصوصاً أن المشاركة النسوية غالباً ما تكون صُوَرية. هذه بعض الاستنتاجات التي خلصت إليها دراسة أعدّتها «مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي»


مهى زراقط
ما هي التحديات الأساسية التي تؤثر على المشاركة السياسية للمرأة الريفية في البلديات؟
كان هذا هو السؤال الرئيسي الذي حاولت «مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي» الإجابة عنه من خلال دراسة استكشافية نوعية عن المشاركة السياسية للنساء في البلديات. الدراسة ارتكزت على مقابلات شبه منظّمة مع 16 سيدة ريفية في الجنوب والبقاع، سبق لهنّ خوض تجربة الترشح إلى الانتخابات البلدية في استحقاقي 1998 و2004.
ثلاثة محاور رئيسية تناولتها الدراسة وهي: دوافع انخراط المرأة في العمل السياسي، التحديات والفرص التي تواجه المرأة في حال رغبتها في المشاركة في العمل البلدي، انعكاس دخول المرأة في العمل البلدي عليها خصوصاً وعلى واقع النساء عموماً.

اعترفن بأنّ مشاركتهنّ صورية ولا تعطي قضاياهنّ أولوية
بالنسبة إلى دوافع انخراط المرأة في العمل السياسي، بيّنت النتائج أن «أحد العوامل الرئيسية التي تقف وراء دخول المرأة في العمل البلدي يعود إلى رغبة الرجال في إدماجهن في العملية الانتخابية ضمن توجهاتهم الخاصة». وهذا يحصل عندما يكون الرجل موظفاً وغير قادر قانوناً على الترشح. وأوردت الدراسة بعض إجابات النساء عن هذا السؤال، ومنها: «اختاروني، لست أنا من اتخذ القرار»، «الرجال هم الذين يشكلون اللوائح ويختارون المرشحين من العائلات»، «لا أعرف، لمَ تمّ اختياري، يمكن معرفة الناس لي أو رصيد الأهل، لكن الكلّ طلب مني الترشح»، «بقيت أقول أنا ما بدّي مدة شهر، ما عندي وقت لهذا الأمر».
لكن النساء، وإن خضعن في غالبيتهنّ لرغبة الرجال، يدركن أن مشاركتهنّ لن تكون من دون نتائج. فقد رأت النساء اللواتي خضن الانتخابات أن «الفوز بها ليس الهدف الأساسي، لكن مجرد محاولة خوض هذه العملية يوسّع أفق النساء لتغيير واقعهن»، بحيث تمثّل المشاركة خطوة رمزية لتغيير واقع المرأة في المشاركة العامة. «الفوز مهم بالنسبة إليّ، لكني أعرف أنني لن أنجح هذه المرة، وإنما أكون قد فتحت الطريق لي ولغيري من السيدات»، «لم أترشّح لأنجح، ترشّحت لأصنع التغيير».
المحور الثاني تناول التحدّيات والفرص التي تواجه المرأة في حال رغبتها في المشاركة في العمل البلدي. وبيّنت النتائج أن هذه التحديات تنقسم إلى ثلاثة، أولاً: إن المرشحات المستقلات والمنفردات غير مرئيات، ثانياً: إن الضغط المجتمعي يضعف مشاركة المرأة في الانتخابات البلدية، وأخيراً ضعف ثقة النساء بعضهنّ بالبعض الآخر.
فقد عبّرت السيدات صراحة عن عدم القدرة على الفوز لو لم يكنّ مرشحات على لوائح قوية «كنت أتوقع الفوز لأنني كنت في لائحة قوية»،«اللائحة اختارتني وكانت فرصة لي لأني لم أتحمل المصاريف المالية، وعندي فرصة للحصول على أعلى الأصوات».
لكن الشكوى من الضغوط الاجتماعية تبقى الغالبة، إذ عبّرت السيدات عن امتعاضهنّ من النظرة الدونية التي قوبلن بها لمجرد إبداء رغبتهنّ في الترشح، مثل «كانوا يقولون لي أنت مثل الرجال وبدّك تعملينا مضحكة، هذه كارثة وأنت ستخسرين ولن تحصلي على أيّ صوت»، «ليس وضعاً سهلاً في ضيعة أن تقولي أريد الترشح، سوف يحاربونك ويسألون كيف رح تقعدي بين 14 رجال في البلدية، ومنهم من قال لأبي كيف تترك ابنتك تدخل إلى البلدية بين كل هؤلاء الرجال؟»، «كنا تسعة أعضاء، ثمانية رجال وأنا. في البداية كان الأمر صعباً بعض الشيء، لم يتقبلوا أن تدلي الفتاة برأيها، لذلك يجب أن تكون المرشحة طموحة، واثقة من نفسها، تحبّ العمل الاجتماعي، دبلوماسية وصبورة كتير لأنك ستسمعين أشياء كتيرة، مش سهل تكوني بهيدا المطرح».
الإجابات عن المحور الثالث لم تكن أكثر إيجابية، إذ أضاءت نتائج إجابات السيدات الست عشرة عن سؤال حول انعكاس دخول المرأة في العمل البلدي عليها خصوصاً وعلى واقع النساء عموماً، إلى وجود مشكلتين عامة وخاصة. في العام، اعترفن بأنّ مشاركتهنّ صورية ولا تعطي قضاياهنّ أولوية، وتقول إحدى السيدات إن سبب اختيارها قد يكون حاجة الأطراف الذين اختاروها إلى تمثيل نسائي ضمن لائحتهم، «ووجدوا من الملائم اقتراح اسمي لأني امرأة، لا أعرف، قد يكون هذا هو السبب الرئيسي لاختياري»، وبعد النجاح في الانتخابات «بدأوا يستثنوني، مثلاً بعض المشاريع نفذّت من دون أن أعرف». واللافت هو نظرة النساء أنفسهنّ للعمل البلدي بوصفه عملاً تنموياً خدماتياً وليس سياسياً: «العمل في البلدية ليس عملاً سياسياً، لكنه تطوير للضيعة»، «هو عمل تنمية أكثر منه سياسة».
أما في الخاص، فلفتت النساء إلى أن العمل البلدي قد يكون عبئاً عليهنّ ما لم تتوافر لهنّ المساندة الأسرية.
يرين العمل البلدي تنموياً لا علاقة له بالسياسة
وقد خلصت الدراسة إلى أن المشاركة السياسية بمختلف معاييرها لا تزال لعبة الرجال، وقبول المرأة في هذه اللعبة إو إبعادها يعود إلى رغبتهم، وهذا يدعو إلى التفكير في مفهومي «النساء والسياسة» و«النساء في السياسة». كما أوصت بتشجيع النساء على المشاركة بصورة أقوى في العمل البلدي من خلال إيجاد الأطر القانونية والمؤسساتية الداعمة لذلك، تطوير مفهوم العمل السياسي عند النساء، تطوير القدرات الذاتية والمعرفية للوصول الى المشاركة السياسية الفعلية، توعية مجتمعية حول أهمية العمل البلدي التنموي، وعدم اقتصاره على تطوير البنية التحتية والخدمات.
وكانت مجموعة الأبحاث قد عرضت خلاصة عامة لهذه الدراسة، التي أعدّتها الباحثتان ستيفاني غاسبيه وهند يونس، خلال ندوة نظّمت يوم الجمعة الفائت في الجمعية المسيحية للشابات، بالتعاون مع «صندوق الأمم المتحدة لتنمية المرأة» و«شراكة تعلّم النساء من أجل التنمية والسلام» تحت عنوان «النساء والسياسة ـــــ النساء في السياسة: إضاءات على الانتخابات البلدية لعام 2010». وقد أطلق في نهاية الندوة، دليل تدريبي تحت عنوان «التوصل الى المبادرة دليل على المشاركة السياسية للنساء»، الذي يرمي الى تمكين النساء في السياسة وإكسابهن القدرات القيادية.


تحسّن بلا مردود

تفيد الأرقام بأن عدد النساء الناجحات في المجالس البلدية ارتفع بين عامي 2004 و2010 من 215 فائزة إلى 536 فائزة، ما رفع النسبة من 2.02% إلى 4.7%بحسب الجدول الذي أعدّته الـcrtda أعلاه.
وكان مدير مركز الإحصاء والتوثيق كمال فغالي قد قدّم مقاربة تحليلية نقدية للنتائج خلال الندوة، لفت فيها إلى أن التحسن في النسب لا يشير إلى وعي اجتماعي لأن مشاركة النساء في القرار السياسي وفوزهن في الانتخابات مرتبط بالقوى السياسية والاجتماعية، بسبب الاصطفافات القوية التي تمنع الأفراد ذكوراً أو إناثاً من الوصول بطريقة مستقلة أو منفردة. وقال إنه لا جدية في التعاطي مع موضوع الكوتا «التي يجب أن تكون مرتبطة أكثر بالوعي الاجتماعي، إذ إن النساء في المجلس النيابي لا نسمع رأياً لهنّ، ومعظمهنّ يأتي بهنّ زعيم».


جدول مقارنة بين الفائزات في الانتخابات البلدية
حسب المحافظات بين عامي 2010 و 2004