وسام كنعان
ما إن يأتيك صوت عمر حجو عبر الهاتف، حتى تمثل أمامك صور لنهاد قلعي ودريد لحام ومحمد الماغوط. تلك المجموعة هي من صنعت الجزء الأهم من ذاكرة الفن السوري. في بيت ابنه المخرج الليث حجو في دمشق، حيث يقيم حين يأتي من حلب، يستضيفنا الممثل المخضرم مصرّاً في البداية على صنع القهوة بيده. نرجع بالذاكرة ردحاً من الزمن ليحكي عن طفولته التي لم تعرف طعم الاستقرار. وإن كان المنزل يعني الوطن الصغير، فقد كان وطنه، هو وعائلته، عبارة عن عقد إيجار موقت لأربعة جدران في أحد الشوارع الفقيرة، ولا ضير لو تقاسموا مع مجموعة عائلات أخرى بؤس منزل آيل إلى السقوط في أي لحظة.
هكذا نشأ النجم السوري الذي كان ينتمي إلى كل الأحياء الحلبية المعدمة. ومع مطلع مُحرٌم ـــــ الشهر الأول من كل سنة هجرية ـــــ كانت تبدأ رحلة عائلته عن موطئ قدم آخر. يقول: «كان هناك اعتقاد لدى فقراء المدينة بأنه إذا غيّر أحدهم بيته في شهر محرم، قد تكون رزقته أفضل في المكان الجديد. تلك كانت فرصتي للتعرّف إلى نماذج مختلفة من الناس، ومعايشة طبقة القاع التي تشبهني».
والده عمل سائقاً في إحدى المؤسسات الحكومية، أما والدته فكانت ربة منزل غير متعلّمة. لذا أرادت لابنها الأصغر أن يدخل المدرسة على عكس أخويه. وتلبية لرغبتها، دخل عمر المدرسة في وقت متأخر، وراح يتنقل من مدرسة إلى أخرى من دون أن يشده شيء سوى النشاط المسرحي المدرسي. ظروف العائلة الصعبة جعلت مسيرة تعليمه تقف عند المرحلة الإعدادية، الأمر الذي جعله لاحقاً يعلّق شهادته الابتدائية في برواز كبير على حائط بيته، كي يسخر من الظروف القاسية التي حالت دون إكماله التعليم.
لم يكد عمر يخرج من مرحلة الطفولة، حتّى كانت رياح التاريخ تعصف بالبلاد الداخلة إلى مرحلة سياسية حرجة، لكنها كانت أرضاً خصبة للتنوع السياسي والفكري. في الخمسينيات عاش مراهقة من نوع مختلف. لم يكن للأنثى فيها حضور يُذكر مقارنةً بالحدث السياسي: «الظروف التي كانت تعيشها سوريا جعلتنا نكوّن وعياً سياسياً عميقاً. شاركت في التظاهرات وكنّا نصرخ بأعلى أصواتنا: بترول العرب للعرب».
بالتزامن مع العدوان الثلاثي على مصر، بدأ عمر حجو بتقديم أولى مسرحياته مع فرقة هاوية أسّسها في تلك الفترة، ولقيت عروضها صدىً وإقبالاً لدى الجمهور. ومن تلك المسرحيات «استعمار في العصفورية» و«مبدأ أيزنهاور». هذه الأخيرة قدمها في دمشق، فاحتجّت السفارة الأميركية عليها بعدما أرسلت موفداً حضر العرض. ليست السفارة الأميركية وحدها من احتج، بل الرقيب أيضاً الذي وجد مشكلةً في بعض أفكارها، ما دفع حجو إلى التفكير في حل يتذاكى فيه على الرقابة، من دون أن يخلّ بسوية عروضه. لقد لجأ إلى فنّ الإيماء أو «البانتوميم»، وراح يعبّر عن كل ما يريده. وقدّم مجموعة كبيرة من مشاهد البانتوميم تلك، مطلقاً عليها اسم «فواصل موسيقية صامتة»، حتّى اكتشف الرقيب الأمر فضيّق عليه، وطلب منه أن يضع فكرة كل فاصل مكتوبةً على الورق.
البانتوميم فكرة راقت الإعلامي صباح قباني (أول مدير للتلفزيون السوري) فأراد أن يرسل حجو إلى فرنسا ليدرس اللغة، ويتلمّذ على يد زعيم البانتوميم مارسيل مارسو، ومن ثم يعود ليؤسس مسرح بانتوميم في إطار وزارة الثقافة السورية. لكن سوء التنسيق منع تحقيق مشروع قباني، وأجهز على حلم حجو. ومع ذلك، ظل الممثل السوري محمّلاً بهواجس مختلفة عن المسرح، فأسس في منتصف الستينيات «مسرح الشوك» الذي جمعت عروضه بين المسرح الشعبي البسيط، والمسرح العالمي. وبالفعل، حقق «مسرح الشوك» حضوراً مدوياً في الوطن العربي، وخرج جمهوره من الإعلاميين العرب ليعلنوا آنذاك أنّ سوريا هي بلد الديموقراطية، ما دامت تترك فرصةً لوجود هذا النوع من النقد السياسي على المسرح.
انطلاقة «مسرح الشوك» كانت مع عرض «مرايا» الذي ركّز على بريق المرايا وقسوة ما تعكسه من واقع اجتماعي صادم. الفكرة ستُستوحى منها لاحقاً أعمال تلفزيونية شهيرة مثل «مرايا» و«بقعة ضوء». ومع «مرايا»، سيلتقي حجو بدريد لحام ليقدّما معاً عرض «جيرك». بعد ذلك، اتفق حجو ولحام على تناول أسباب هزيمة 1967، فيما كانت السلطات ترفض الاعتراف بالهزيمة. والحل كان تأسيس «مهرجان دمشق المسرحي» ليكون ذريعة تقدّم من خلالها عروض «مسرح الشوك». وبالفعل، تأسس المهرجان في عام النكسة، وقدم فيه عرض «جيرك».
لاحقاً، سيقدّم حجو مع دريد ونهاد والماغوط مسرح الكباريه السياسي «الساعة العاشرة»، والثلاثية الشهيرة «ضيعة تشرين»، و«غربة»، و«كاسك يا وطن». بعدها، سيتراجع رصيد أهم فرقة مسرحية عرفتها سوريا، ثم ستكون النهاية مع عرض «صانع المطر» الذي لم يلق الإقبال ذاته، ليعتزل بعدها دريد لحام المسرح، وينسحب حجو إلى حلب التي ما زال يقيم فيها حتى اليوم.
البداية التلفزيونية لحجو كانت بطولة مسلسل «ساعي البريد» للمخرج سليم قطايا، لتتوالى الأعمال وصولاً إلى «خان الحرير» و«الثريا» لهيثم حقي... عشرات المسلسلات التي صنعت له مجداً من نوع آخر. لكنّه يصر على أنّه لم يكن مساهماً حقيقياً في خلق نجاح الدراما التلفزيونية السورية: «أنا مجرد ممثل ضمن هذه الصناعة الهائلة، ولا أملك سوى الإخلاص لعملي، وتقديم أفضل ما لديّ من خلال ما يسنده إليّ المخرجون من أدوار».
اليوم، أنهى حجو دوره التلفزيوني الوحيد في الموسم الرمضاني مع المخرج رضوان المحاميد في مسلسله «البقعة السوداء». كذلك أتمّ دوره في خماسيّتين هما «تقاطع خطر» و«بيت» عامر لابنه الليث حجو، ويستعد للإقلاع في مشروعه المسرحي الجديد، وهو «مهرجان حلب المسرحي الدائم»، إذ سيشرف من خلاله على فرق مسرحية شابة تعيد تقديم مسرحيات ساخرة مثل «غربة» و«ضيعة تشرين» وأخرى للماغوط كـ«المهرج». وبينما كان النجم السوري منهمكاً في الحديث، سألناه عن ذلك البريق في عينيه، وإن كان يخبّئ حبيبات من الدمع؟ فأجاب: «هذه دموع النصر لفتى الأحياء الفقيرة الذي لم يتمكّن من إكمال دراسته».



5 تواريخ

1931
الولادة في حلب

1965
أسّس «مسرح الشوك» في دمشق

1967
شارك في تأسيس «مهرجان دمشق المسرحي» وفيه قدّم عرض «جيرك»

1974
أول مشاركة مع دريد لحام في مسرحيّة «ضيعة تشرين»

2010
يُنهي أعمال الموسم الدرامي الجديد، ويستعد لإطلاق «مهرجان حلب المسرحي الدائم»