بدت طرابلس نهاية الأسبوع الماضي كأنها مدينة أشباح، فخلت شوارعها من السيارات والمارّة، وأُغلقت أبواب محالّها ومؤسساتها التجارية، كأنها في عطلة، أو حظر تجوال قسريّ، فالطقس الحار الذي قضّ مضاجع أهلها، مترافقاً مع انقطاع التيار الكهربائي، دفعا بهم إلى الهروب نحو أقرب مصيف، أمّا الفقراء، فليس لهم إلا ..النوم على السطوح


عبد الكافي الصمد
ليست طرابلس مدينة أشباح، لكنّ الصيف الدبق والحار، وانقطاع الكهرباء، جعلاها كذلك. ولأنّ حرّها لا يطاق، ولأنّ التنفّس نفسه أصبح صعباً، خلت شوارع طرابلس تماماً. حتى قطط مكبّات النفايات لم يكن لها «جلَد» على الحركة، فافترشت ظلال السيارات المتوقفة على جانبي الشوارع. فراغ المدينة من سكانها بهذا الشكل لم يكن يحصل في السابق، إذ لطالما كانت تظلّ بعض المقاهي الشعبية، كالتل العليا ومقهى موسى في باب الرمل، إضافةً إلى كورنيش الميناء البحري، ملاذاً للهاربين من قيظ الصيف الرطب والخانق، وخصوصاً عندما ينقطع التيار الكهربائي.
لكن هذه «الحلول» لم تعد توفّر لأهالي طرابلس، غير الميسورين، المطلوب، ولو بحدّه الأدنى. فمعظم المقاهي الشعبية لم يُعمل على تطويرها، ولم تعد توفّر ما يطلبه زبائنها كما في السابق، ما أدى إلى تراجع الإقبال عليها؛ أمّا الضواحي التي كانت خضراء عند أطراف المدينة، كما في زيتون أبي سمراء، ومنطقة الضم والفرز، التي كانت بساتينها من الحمضيات تفوح رائحتها كل ربيع، فإنها تختفي تدريجياً مع زحف الباطون والعمران إليها، كما أن كورنيش الميناء البحري لا يمكن ارتياده خلال الصيف إلا مع مغيب الشمس، الأمر الذي «يدفعنا إمّا إلى النزول إلى البحر، أو الصعود إلى أقرب جبل، لأن «الشوب» لا يُحتمل»، على حد قول سليم المصري، الذي يقيم وعائلته في محلة البولفار.
ينقل طرابلسيون عن آبائهم وأجدادهم كيف أن مجرى نهر أبو علي، ومنطقتي أبي سمراء والبداوي، كانت المناطق الأكثر ارتياداً من جانب الأهالي خلال الصيف حتى مطلع الخمسينات، لكنهم يتحسّرون اليوم بعدما أصبح النهر مرتعاً للنفايات ومياه الصرف الصحي، وتقلّصت المساحات الخضراء في أبي سمراء، وجفّت بركة البداوي الشهيرة شيئا فشيئاً، لتصبح أثراً بعد عين.
واليوم يجد بعض الطرابلسيّين متنفّساً للهروب من «خنقة» الصيف، في حديقة الملك فهد، المستجدة في محلة المعرض الراقية، التي باتت تمثّل محطة «تلاقي» فقراء المدينة مع أغنيائها، في مدينة اتسعت فيها الفروق الاجتماعية كثيراً في السنوات الأخيرة.

ينامون على البلاط بعد رشّه بالمياه لأنه أبرد من الفراش
ومع أن المولّدات الكهربائية الخاصة حلّت بعض مشاكل التكييف عند الميسورين، فإنّ ذوي الدخل المحدود لا يستطيعون تشغيل أجهزة التكييف عليها لأن «مقطوعيّتنا من الاشتراك لا تسمح لنا بذلك»، يقول أيمن العلي، القاطن في محلة القبّة، وموضحاً أنه «إذا أردت تشغيل المكيّف على كهرباء الاشتراك، فيجب عليّ أن أدفع ضعف المبلغ المحدد شهرياً، وهذا ما لا أستطيعه». وإذا كان البعض قد لجأ إلى الاستعانة بالمراوح الكهربائية للتعويض، على اعتبار أن «الكحل أحلى من العمى» في هذه الأحوال، فإنّ المشكلة تتفاقم ليلاً عندما ينقطع التيار الكهربائي، وتتوقّف المولّدات الخاصة عن العمل عند منتصف الليل، ما «يحوّل البيوت إلى أفران تدفع قاطنيها إلى فتح نوافذها وأبوابها على مصراعيها، والخروج إلى الشرفات لمحاولة النوم رغم هجوم البرغش»، على حد تعبير محمود مرعي ابن منطقة الزاهريّة.
مقابل ذلك، فإنّ المناطق الشعبية والفقيرة تعيش «مأساة الصيف» بطريقة أكثر وضوحاً. ففي منطقة باب التبانة، الأكثر فقراً وكثافة سكانية في طرابلس، تلجأ معظم العائلات، التي لا إمكانات مادية لديها للاشتراك في المولدات الخاصة، إلى «افتراش الشرفات والنوم على البلاط بعد رش المياه فوقه، لأنه أبرد من النوم على الفراش!»، كما يقول ماهر كنجو، شارحاً كيفية مواجهته وأسرته المشكلة.
كنجو الذي يشير إلى أن منطقته تعاني أزمة الحر «لأن البيت عل البيت، والناس تكاد تطلع من تيابها»، يصف مشهداً رآه قائلاً «لن أنساه طول عمري. فقرب ملعب الجهاد في المنطقة كان رجل مسنّ يستلقي عند مدخل منزله على البلاط كأنه أغمي عليه من الحرّ، فيما كانت ابنته «تهوّي» فوقه بكرتونة للتخفيف عنه، في الوقت الذي كانت فيه الجرذان والفئران تسرح وتمرح صعوداً ونزولاً على درج البناية قربهما، كأنها تقوم بدورية!؟».
صبر الأهالي على حر الصيف لم يدم طويلاً، فإذا كانت اعتراضاتهم قد بدأت مع توزيعهم بيانات عند أبواب المساجد، وهي عادة معروفة في طرابلس، التي تشهد كل يوم جمعة توزيع بيانات سياسية أو مطلبية أمام مساجدها، أو حتى إعلانات لشركات ومحالّ تجارية، لكونها إعلانات شبه مجانية تصل إلى شرائح واسعة في المدينة، ومراجعة نوّاب المدينة ومسؤوليها، فإنها استتبعت تلك الخطوات بقطع الطرقات وإشعال إطارات السيارات فيها، وهو مظهر كان شبه يوميّ في ساعات المساء خلال الأيام الأخيرة، لكن تراجعت وتيرته بعد استياء الأهالي من الدخان الأسود المنبعث من الإطارت المشتعلة، ما أدى إلى إشكالات مع المحتجّين في أحياء عدة. ففي باب التبانة مثلاً، يلجأ المحتجون، ومعظمهم من الفتية، إلى إحراق الإطارات على البولفار خارج المنطقة، لا داخلها في شارع سوريا، تجنّباً لحصول احتجاجات ووقوع مشاكل، فضلاً عن تدخل الجيش والقوى الأمنية مراراً لإيقاف هذه التحركات واحتواء مضاعفاتها.
لكنّ قسماً كبيراً ممن يضايقهم قيظ الصيف في طرابلس، يغتنمون عطلة نهاية الأسبوع للخروج من المدينة باتجاه المناطق المرتفعة قليلاً عن سطح البحر، والقريبة، أي التي لا يكلّف الوصول إليها الكثير من البنزين، كما في الكورة وزغرتا أو الضنيّة. وهو ما يتّضح بجلاء خلال ساعات المساء عندما تبدأ أرتال السيارات بالعودة إلى المدينة، لتبدو كقوافل نمل تؤوب إلى مساكنها منهكة من التنقّل الإجباري بين منازل لم تعد تصلح للراحة، و«مصايف» كل ما تستطيع إمكاناتهم الحصول عليه فيها.. «شويّة برودات».