ضحى شمس

لا تدلّ زحمة السير الخانقة في بيروت إلا على شيئين، لا ثالث لهما: غياب النقل المشترك ومركزية العاصمة. هذه الخلاصة على بديهيتها، غير حاضرة في عقول اللبنانيين الذين حالما يغرقون في مشكلة، وتصبح هذه الأخيرة مزمنة، بغياب القدرة أو النية على الحل، حتى يغرقون أيضاً في تفاصيلها الجانبية، ناسين الأساس: ولكن، لماذا على ربع اللبنانيين تقريباً التوجه من جميع المناطق كل صباح الى العاصمة؟ ببساطة لأنه في العاصمة، يصبح المواطن مركزياً. أي أنه يحصل بالانتقال الجغرافي الى المركز على امتيازات لا يوفرها إلا وجوده في العاصمة.
هذه المركزية المشتدة بتركيز الطبقة السياسية على مصالحها، وإحباط المناطق المتزايد، يكاد معها يصح القول إن لبنان «يداوم» نهاراً في بيروت، و«يسرب» حسب تصريف اللهجة الجبيلية لفعل انصرف الى بيته، مساء الى المناطق، حيث يعود لينام... مهمّشاً. ولا تقتصر مشاكل المناطق على تدني مستوى الخدمات، فالتهميش المزمن أفرغ القرى من كل ما يجذب، حتى أهلها المزارعين للبقاء فيها. وما الضواحي المتضخمة حول المدن إلا «نيغاتيف» صورة فراغ المناطق حتى بالصيف، أوان عطل المدارس. لا بل إن متعة بسيطة مثل فرجة الناس على الناس أثناء كزدورة المساء على طرقات القرى مثلاً، والتي كان الشباب والصبايا يقبلون عليها بزوادة من البزر، لم تعد حتى هي متوافرة لخلوّ المناطق من الناس صيفاً وشتاءً فقط لا غير. وعشية العطلة الصيفية، تشتعل المشاكل العائلية بين الأولاد المجبرين على «التصييف»، والذين يملّون من البقاء في مناطق «ميتة» تخلو حتى من لينك إنترنت يؤمن عطلة «افتراضية»، وبين أهالٍ لا يملكون تأمين حاجة أولادهم الى «الضهرات»، في ظل حياة استهلاكية بامتياز تقاس قيمة الفرد فيها بقدرته على استهلاك كل شيء وأي شيء، فيما يجد من يقاوم هذا الاتجاه نفسه في موقع تبرير تهمة مضمرة بالبخل أو التخلف ولو شرح لساعات موقفه الإيديولوجي من الاستسلام للاستهلاك العشوائي.
ويبدو أن أهل المناطق، وجدوا حلاً سحرياً للخروج من تهميشهم الإنمائي، يتلخص بكلمتين: مهرجانات الصيف.
هكذا، انتشرت «المهرجانات» وإعلاناتها في كل لبنان، ولا تخلو قرية مهما صغر شأنها من مهرجانات، بالجمع، جوهرها يتلخص بمحاولة الأهالي جعل الصيف فيها جذاباً لهم أولاً، إضافة إلى جذب ما تيسّر من سياحة داخلية. وإن أمكن، ببعض الطموح، الحصول على حصة من حركة سياحية يسمعون عنها بنشرات الأخبار ولا يرون منها شيئاً. حتى المخيمات الفلسطينية، المستفيقة في همروجة «الحقوق المدنية» على هوية مخيمجية تريد إثبات مدنيتها، أصابتها عدوى «المهرجانات». وها هي تقيم مهرجاناتها الخاصة التي بدأت دورتها الأولى في مخيم شاتيلا أمس بمسيرة، لتنهيها السبت بحفلة مع أبو عرب، مطرب الإجماع الفلسطيني الفني، بين كبار السن وجيل الشباب بما فيهم فرق الراب.
وإن كانت لفظة مهرجانات، هي جمع مفردة مهرجان، ما يفترض ضخامة الإنتاج وازدحام النجوم، فإن أياً من المناطق اللبنانية لا يقبل أن يتحدث عن مهرجان بالمفرد. أو كرمس مثلاً، كما كانوا يقولون بالزمان، لا سمح الله. وإن غض النظر عن استخدام «مهرجانات بعلبك الدولية» أو مهرجانات بيت الدين لصيغة الجمع، نظراً إلى الجهد والحجم والنوعية فيهما، فإن من الصعب مقاومة الابتسام لدى سماع التسمية نفسها تطلق على بضع ندوات ومعارض ومسيرات للقديسين، أو على بضع حفلات لمغنّين أقل من محليين، كأولئك الذين كانوا «يشدون» في متنزهات رأس العين ببعلبك مثلاً السبت الماضي، ما سبب نوعاً من اشتراكات سمعية لدى مشاهدي فرقة باليه روسية قدمت «آنا كارنينا»، حيث كان على هؤلاء الاستماع إلى سيمفونية غير متوقعة، تختلط فيها موسيقى تشايكوفسكي، بزلاغيط متحمسة لمغنٍ كان يدبك على سطح قريب، مترافقة مع قرع طبول يحملها الهواء حسب هبوبه من جهة «مهرجانات» رأس العين، مرافقة غناء مطرب الجماهير علي الديك، فيما كانت «المشحّرة» آنا كارنينا ترمي بنفسها منتحرة أمام القطار لتتمزق، قبل وصول القطار، بضربات طبل أغنية «سمرا وانا الحاصودي» إربا إرباً.
هكذا، من «مهرجانات بكفيا الكبرى 2010» الى مهرجانات فراط التحتا، فـ«مهرجانات جران» التي لا تقهر، مروراً بمهرجانات غدراس التي استقدمت أبطال رياضة «الروديو» في الغرب الأميركي. أما لماذا هذه الرياضة الغربية دون غيرها؟ ربما بسبب البيئة الحاضنة؟ لا أعرف.
ومع ذلك، وبعيداً عن الميل الطبيعي اللبناني إلى التضخيم، تبقى هذه النشاطات مفرحة للقلب، تفعل في جسم البلاد ما يفعله الرقص بالجسد حين يخرجه من رتابة حركته اليومية، وتبث بعض حياة في أطرافٍ، قلبها ينبض في العاصمة، أما هي ففي حالة موت سريري إنمائياً. لا بل يمكن القول في تبرير كثرتها: عجبت لامرئ جاع الى اللامركزية فلم يخرج على الدولة بمهرجاناته.