اجتماع شهري مع أبناء بيروت

■ لا حديقة من دون موقف تحتها
■ التنسيق سيّد العلاقة مع المحافظ مهما كان اسمه

«ثلاث دقائق ويستقبلكما» تقول السيدة إدّه، سكرتيرة رئيس بلدية بيروت، بعد أن تضع سمّاعة الهاتف. تعلّق: «لم يقل خمس دقائق بل ثلاث. فعلاً هو مهندس». ملاحظة تدلّ على أن الكلّ هنا في محاولة اكتشاف «الريّس» الجديد، الذي يحاول بدوره التعرّف إلى المكان والمهمّات المطلوبة

أجرتها: مهى زراقط

الحماسة التي ميّزت رئيس جمعية متخرّجي مؤسسة الحريري، الدكتور بلال حمد، خلال حملته الانتخابية لرئاسة بلدية بيروت، لم تقلّ عنها أمس. أمام مكتبه الذي تسلّمه في 7 حزيران الفائت يودّع حمد ضيوفه ويستقبل آخرين. يحوّل جهازه الخلوي إلى وضعية الصمت لتتاح له الإجابة عن أسئلة «الأخبار» فيرنّ الهاتف الثابت... ويدور الحديث عن إعلانات ولافتات وضعها أصحابها على الرصيف، فطلب إزالتها. يقول بعد أن يضع السماعة إنّه تصرّف من تلقاء نفسه، وطلب إزالتها «مع أنّ السلطة التنفيذية عند المحافظ، لكنّني تصرّفت بالمونة، لكوني رئيس بلدية العاصمة، وشعرت بواجب التدخّل».
من المشاهدات اليومية بدأ الأستاذ في الجامعة الأميركية، منذ 30 عاماً، التعرّف إلى مهمّاته الجديدة. يفاخر بانتمائه السياسي إلى «تيار المستقبل»، لكنه يعِد بأن يخدم جميع الأطراف «وفي هذا خدمة للتيار ورؤيته إلى العمل الإنمائي» يقول.

■ تسلّمت البلدية قبل أسبوعين، هل بات لديك تصوّر مبدئي عن العمل؟
- «طولي» بالك عليّ. الاثنين 7 حزيران حصل التسليم والتسلّم. الثلاثاء، حفل استقبال. الأربعاء صباحاً بدأت فعلياً فكان أول يوم عمل لي أجلس فيه على مكتبي.

■ كيف وجدت مبنى البلدية والمكتب الجديد؟
- هذه ليست المرة الأولى التي أدخل فيها إلى البلدية. كنت أزورها أحياناً لمتابعة شؤون هندسية، وإن كان مهندس من مكتبي هو الذي يتابع المعاملات هنا.

■ ومكتب رئيس البلدية؟
- المكتب دخلته مرة أو مرتين. اتّصل بي مرة الأستاذ عبد المنعم (العريس) لاستشارتي في موضوع توأمة مع لوس أنجلس لكوني متخرّج أميركا، وفي المرة الثانية أعتقد أن المناسبة كانت اجتماعية.

■ هل خطر لك أنك ستجلس يوماً خلف هذا المكتب؟
- لا. ولا مرّة خطر على بالي أنّني سأتولّى هذه المهمّة.

■ هل ترى البلدية بطريقة مختلفة اليوم؟
- حتماً. صرت جزءاً منها. جلت في المبنى، إضافةً إلى رغبتي في زيارة مراكز البلدية المنتشرة في العاصمة. أنا تلميذ مجتهد، ويجب أن أدرس كلّ تفاصيل عملي. لقد اجتمعت مع مديري المصالح الذين يتولّون مسؤولية تلك المراكز، وسأحاول أن أجمعها في مكان واحد. لا يمكنني كلما احتجت إلى الاجتماع بأحدهم أن أضيّع ساعتين من الوقت للوصول إليه. الوقت ملك الناس، وسيكون بابي مفتوحاً دائماً لهم، كما سأحاول أن أحدّد يوماً في الشهر للاجتماع بأبناء بيروت، والاستماع إلى آرائهم.

■ تبدو متحمّساً، على الرغم من أنك كنت تقول إنّ رئاسة البلدية لم تخطر لك سابقاً
- صحيح. لم يخطر لي الأمر سابقاً، لكن عندما فاتحني الشيخ سعد الحريري بالموضوع، أعجبتني الفكرة. وبصراحة أنا رشّحني الشيخ رفيق سابقاً، ثم الشيخ سعد حالياً، لعدّة مناصب، ولم يكن «يتم النصيب» إمّا لأنّني لم أكن أرى نفسي في مناصب إدارية لا تتوافق مع طموحاتي، أو بسبب التغييرات التي تطرأ في اللحظات الأخيرة. لكن عندما فوتحت بموضوع بلدية بيروت تحمّست، وقلت إنّ هذا الموقع بالنسبة إليّ أهمّ من المناصب التي عُرضت عليّ سابقاً، ذلك أنّ خبرتي ومهنتي تتيحان لي أن أكون فعّالاً ومفيداً.

■ عندما فاتحك الرئيس سعد الحريري بالموضوع، هل أخبرك عن المشكلة الأبرز التي ستواجهك في عملك؟
- حتماً. كلّنا يعرف أن صلاحيات رئيس البلدية تقريرية، والصلاحية التنفيذية في يد المحافظ. لا مشكلة عندي في هذا الأمر. أنا قادم من مدرسة تؤمن بفريق العمل، كرئيس قسم في الجامعة الأميركية، كنت أرسل توصياتي إلى العميد. الأمر مماثل هنا، رئيس المجلس البلدي يقرّر ويطلب التنفيذ من المحافظ. إذا كنّا على خلاف فلن «تمشي» الأمور. ما هو رأسمالها؟ حسن التنسيق والتوافق.

■ هل تعرّفت إلى المحافظ ناصيف قالوش؟
- نعم، وقد نشأت صداقة معه خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، إذ التقينا نحو خمس أو ست مرّات، «وصار في كيمياء» بيننا. عندما تتفاهمين مع الإنسان على طريقة عمل تسير الأمور تلقائياً من دون مشاكل.

■ جميل ما تقوله، لكن المشكلة بين المحافظ ورئيس البلدية ليست شخصية دائماً، بقدر ما هي ناجمة عن تجاذبات سياسية؟
- نعم، هذا تاريخ البلدية، لكن علينا أن نتخطّى الخلاف بين الرئيس والمحافط، وعموماً أنا دبلوماسي.

■ وماذا إذا تغيّر المحافظ قريباً كما هو متوقّع؟
- قد لا يتغيّر. ما أدرانا. هذا أمر مرتبط بالتوافق على التعيينات. ليس بيدي ولا بيدك. لكن لا مشكلة عندي أياً كان المحافظ. المهم هو التفاهم على العمل، إشراكه في قراراتنا وإشراكنا في التشكيلات والتعيينات التي يجريها. سوف يكون مطّلعاً على جدول أعمالي، ومدعوّاً إلى الجلوس معنا على طاولة المجلس البلدي، ونأمل أن لا يفاجئنا بقرارات لا نعرفها، عندها تسير الأمور. نحن لسنا بعيدين الواحد عن الآخر. هو في الطابق الثالث، وأنا في الثاني، ليس ضرورياً أن أرسل إليه مذكّرة بل يمكن أن أتصل به، نشرب القهوة معاً، ونقرّر.

■ هل يمكننا أن نتحدّث عن خططك؟ بمَ ستبدأ العمل؟
- تجديد التكنولوجيا. العدّة التي في يدي ناقصة. جهاز الكومبيوتر عندي عمره أكثر من 10 سنوات. سنطلب تجهيزات لكلّ المكاتب. هناك مهندسون لا كومبيوترات أمامهم. قلت لهم أريد أن أرسل دعوات إلى أعضاء المجلس البلدي عن طريق البريد الإلكتروني عوضاً عن الفاكس. وهذا سيترافق مع دورات كومبيوتر للفريق الذي قد يحتاج إليها. أفكر أيضاً في الموقع الإلكتروني للبلدية، يجب تفعيله، وأريد أن أجعله تفاعلياً مع المواطنين، بحيث يستطيعون إرسال شكاويهم عبره. هذا إضافةً إلى اللقاء الشهري الذي سيجمعنا بهم.

■ بما أنك مهندس، أنت ملتفت طبعاً إلى أهمية إعداد مخطّط توجيهي للعاصمة، وكانت البلدية السابقة قد أعلنت أنها تعمل عليه
- المخطط التوجيهي في بيروت يعود إلى الخمسينات. كما أن هناك 65 إلى 70% من مراسيم تخطيط الشوارع مفقودة. لا يمكن فتح طريق جديدة من دون الاطّلاع عليها. هذا ما سنحاول متابعة العمل عليه، لذلك أفكر في إنشاء لجنة مختصّة بالتنظيم المدني. أنا لا أقول إننا «رح نشيل الزير من البير»، لكننا سنتدخّل حيث يسعنا التدخّل، وخصوصاً أنّ العاصمة كبرت كثيراً، وشهدت موجة واسعة من العمران. وسنلجأ إلى الخبراء في كل الحقول، ونعمل على تحويل أفكارهم إلى مشاريع قوانين أو قرارات.

■ هل يمكنك أن تعد أهالي بيروت بإنجازات معيّنة تنوي تحقيقها؟
- لا وعود. نحن سنسعى. مدينة بيروت كبرت كثيراً، ولست واثقاً من حجم ما قد أستطيع إنجازه. أعد أهالي بيروت بأني سأسعى، وسنطلّ عليهم عبر الإعلام كلّ ثلاثة أشهر لنخبرهم ماذا فعلنا، ماذا نفعل، ولماذا. عندما يعرف ابن بيروت ماذا يحصل لا يعود عاتباً بل متفهّماً. أعتقد أن أحد عوامل التقصير في البلدية السابقة أنهم لم يكونوا يعلنون ما يفعلونه، وهذا ما سنتداركه.

■ وهل ستكرّرون إجابات البلدية السابقة للإعلام، من خلال تحميل مسؤولية كلّ ما كانوا يسألون عنه للمحافظ، والعكس صحيح؟
- هذا أمر انتهينا منه. إذا اتصلتِ بي فسأقول لكِ، أنا جالس مع المحافظ، وقد أدعوكِ لتجلسي معنا.

■ ماذا ستفعل على صعيد ازدحام السير ومشكلة المواقف؟
- هذا موضوع ملحّ وقيد الدرس

■ تابعتَ بالتأكيد اقتراح بناء موقف للسيارات مكان حديقة الصنائع. ما رأيك في الأمر؟
- قالوا لي إنّ في حديقة الصنائع أشجاراً معمّرة. طيّب. المطلوب أن نحافظ على الأصالة من جهة، وعصرنة البلد من جهة ثانية. هذا امتحان. كيف نحسّن وضع العاصمة، نحلّ مشكلة الازدحام ونحافظ في الوقت نفسه على التراث والأصالة.

■ كيف؟
- أنا مقتنع بأنّ أيّ مساحة خضراء في بيروت، يجب أن تكون مبنية تحتها مواقف للسيارات. توجد أشجار معمّرة في حديقة الصنائع، سندرس الأمر للمحافظة عليها، ومحاولة الاستفادة من المساحة الموجودة. في النهاية أنا مهندس، ولن أبتّ أيّ موضوع قبل أن أدرسه بعناية. إضافةً إلى أن هناك أراضيَ أخرى يمكننا استملاكها. سنحاول أن نبحث عن عقارات كبيرة ومهمّة، ونبحث إمكانات استملاكها لنبني فيها مواقف. وكلّ منطقة سيكون فيها موقف، سنحرص على أن يكون فوقها مساحة خضراء.

■ من المواضيع الملحّة ملء، الشواغر. هل كوّنت فكرة عن الموضوع؟
- يُفترض أننا أمام استحقاق تعيينات جديدة. نحن سندرس هيكلية كلّ المصالح، إذ قد لا يكون ضرورياً ملء كلّ الشواغر. اليوم تغيّرت طريقة العمل. قد يكون مطلوباً في السابق عشرة كتَبة، وهو ما لا نحتاج إليه اليوم في وجود الكومبيوتر. أعني أن نسبة الشغور المعلنة بنحو 75% قد لا تكون دقيقة اليوم، وقد تنزل إلى 40%. سندرس الهيكليات في إطار لجنة جديدة لتنظيم العمل البلدي، وسنتعاون مع جامعة ألباني، التي يُفترض من خلال عقد موقع معها أنها ستساعدنا في هذه الأمور.

■ وماذا عن تعيين الموظّفين الذين نجحوا في امتحانات الخدمة المدنية ولم يلتحقوا بعملهم بعد بسبب غياب التوازن الطائفي؟
- الموظّفون الذين نجحوا سيباشرون عملهم قريباً. لقد أجاز لنا القانون التعاقد الذي قد يسمح لنا بتحقيق التوازن المسيحي ـــــ المسلم. سندرس الأمر أنا وسعادة المحافظ ونرى.

■ هل من أفكار أخرى في ذهنك تنوي العمل عليها؟
- نعم. الموضوع البيئي مهمّ. هذا أمر سنوليه الأهميّة. أفكر في تفعيل دور الحرس البلدي، وخصوصاً في الليل من خلال توفير التجهيزات اللازمة له. هناك دور ثقافي يجب أن نؤدّيه أيضاً، ولمَ لا يكون لبيروت مهرجاناتها أيضاً؟ كلّها أفكار نأمل أن نتوصل إلى تحقيقها.