العاصمة معروضة للبيع. وثمة توجّه إلى البيوت القديمة (تراثية كانت أو لا) بغية شرائها وهدمها لاستبدالها بأبراج عالية ترتفع بحسب تصنيف المناطق. والسماسرة يجوبون الشوارع ويطرقون الأبواب بحثاً عمّن يبيع


جوان فرشخ بجالي
«مطلوب أرض في بيروت؟ في أيّ منطقة؟ مع مستأجرين أم بدونهم؟ البناء قديم تراثي له حديقة، أم بناية قديمة؟»، أسئلة يعدّها سماسرة العقارات في بيروت روتينيّة، لكنّها في الواقع تُبرز الخطر الداهم على البيوت القديمة. فمع غياب العقارات غير المبنيّة باتت الأنظار تتوجّه صوب البيوت القديمة بوضوح.
سماسرة العقارات، صغاراً كانوا أو كباراً، يعملون بطريقة منظّمة ودؤوبة. كلّ منهم يعرف وظيفته، وكلّ يعرف عمولته، والكل يعمل باجتهاد للحصول على مبتغاه. أحمد (اسم مستعار) وهو من السماسرة الكبار في العاصمة يشرح كيفية العمل: «هناك وسطاء صغار عملهم اليومي يقضي بالتوجّه نحو الأحياء القديمة في المناطق، التي أعطى التنظيم المدني الحق في الارتفاع فيها ببنايات شاهقة. فيجولون في الشوارع، ويدخلون بيوت المالكين، ويبدأون بإقناع أصحاب البيوت ببيعها، وللوصول إلى مبتغاهم يمارسون عمليّة ضغط جماعي، تبدأ بالبقّال (الذي له عمولة إذا جرت الصفقة) وتنتهي بالجار ليقنعوهم ببيع بيوتهم. وإذا كان السكان من المستأجرين بحسب القانون القديم للإيجارات، يجري التفاوض معهم لمعرفة المبالغ المطلوبة للخلوّ. وعلى أساس هذا العمل الأوّلي يجري تصنيف العقارات، فحينما يصل إلينا التجّار يكون لدينا فكرة واضحة عن كل منطقة، وعن الأسعار المتداولة، وعن المهلة الزمنيّة التقريبيّة لتسليم العقار نظيفاً ليبدأوا العمل».
هؤلاء السماسرة، الذين يعرفون شوارع العاصمة ككفوف أيديهم، يجلسون في مكاتب بسيطة جداً، أو حتى في محال ذات اختصاصات وهمية، كالمعلّم أحمد (اسم مستعار) مثلاً، الذي «يبيع» بيروت من محل حلاقة نسائيّ لم تدخله سيدة منذ عقود! ولكنّ الغبار والطاولات القديمة لا تمنع من التداول بأرقام عالية جداً. «قطعة في البسطة نحو 2000 متر يقدّر ثمنها بـ15 مليون دولار! رقم قد يبدو خياليّاً، ولكنّ السماسرة يؤكّدون أن التعامل يجري حالياً على هذا الأساس، فالعقار يقع على تقاطع طرق، وبحسب «التقسيم» يمكن الارتفاع ببناية من 18 طابقاً»! أما عن البيوت المصنّفة، فيشرحون عملية البيع، حيث يقول أحدهم، القصور القديمة عادةً ما تكون تتبع لها حدائق، والعمل يجري حالياً على المحافظة على البيوت بعد استثمار الحديقة كاملةً، بحيث يصبح على العقار مبنيان، برج عالٍ بحسب التصنيف، بمحاذاة البيت التراثي. وهذا ما جرى في الأشرفية، وفي شارع سرسق. وعن الأبنية المصنّفة من فئة C يشرح عماد بأنّ العمل ممكن إذا ما استطاع المستثمر رفع تصنيفها بعد دفع الكثير من الرشى، أو إذا ما أثبت أنها تُخلّ بالسلامة العامة! وتأكيد هذا الأمر ليس بالمستحيل. وتقضي الطريقة بأنّ يطلب مالك العقار من بعض «فاعلي الخير» دخول المبنى دوريّاً، وتسريب المياه إلى الأساسات التي ستتصدّع بعد تآكل الحديد، عندئذٍ تأتي الضربة القاضية بإضرام النار داخل البيت! وفي اليوم الثاني، يجري إحضار كتاب من بلدية بيروت يؤكّد عدم سلامة المبنى، ويعطَى بذلك الإذن بهدمه.
ويشرح السماسرة أنّ بعض المستثمرين لا يرون في شراء العقارات القديمة مشكلة، ولا سيما حينما يكون هناك إشكالات في الوراثة، فيبدأون شراء الحصص الواحدة تلو الأخرى حتى يملكوا ثلثي العقار، عندها يتقدّمون بدعاوى أمام القضاء لإجبار الطرف الآخر على البيع. «هذه المعاملات تتطلّب سنوات ولكنّ ربحها المادي مضمون، وخصوصاً أنّ سعرها أقل من غيرها»، يؤكّد أحمد.
وبما أنّ العقارات في بيروت باتت قليلة جداً، بدأ السماسرة يشهدون اليوم اهتمام المستثمرين في منطقة النهر. تلك المنطقة المجاورة لأوتوستراد الدورة، التي تتميّز بشققها الصغيرة المتلاصقة في بنايات لا يزيد ارتفاعها عن الثلاث طبقات. الأزقّة نظيفة، والأبنية قد تكون عادية هندسيّاً لكنها تعطي مشهداً من بيروت لم يعد يعهده أحد من سكّانها. شوارع ضيّقة فيها السمّان والبقّال، والجيران فيها يعرفون بعضهم بعضاً. منطقة لا تزال تحتفظ بنسيجها العمراني الخاص بها وبمشاكلها العقارية الخاصة أيضاً. سكان تلك الأبنية هم إلى حدّ كبير من المستأجرين بحسب القانون القديم، وينتظرون أن يُدفَع لهم «خلو» كبير لترك المنطقة. ويلفت عماد إلى أن بعض المستثمرين مهتمّون بشراء العقارات كما هي، وبدفع التعويضات للمستأجرين، لذا فالأسعار في منطقة النهر رخيصة! ويضحك أحمد قائلاً إنّه في السنوات المقبلة حتى برج حمود والنبعة لن يبقيا كما هما اليوم.
وعند السؤال من يشتري العقارات في بيروت، بات الجواب المتعارف عليه بين السماسرة هو نفسه: المغتربون اللبنانيون. هؤلاء يشترون الشقق التي يراوح سعرها بين خمسمئة ألف دولار ومليون دولار. أمّا العقارات التي ترتفع أسعارها أكثر من ذلك، فهي عادةً من طلب الخليجيّين. ويتفق أحمد وعماد على أنّ «الأموال تغدَق على العقارات في بيروت بالملايين. المبالغ خيالية، فهل هناك عمليات لتبيض الأموال بشراء هذه العقارات؟ لا أعرف، كل ما أدركه أنني بتّ اليوم أتكلم بالملايين كأنها لا شيء، أو كأنه طبيعي أن تُدفَع هذه الأسعار».
أمّا عند التساؤل عن هوية العاصمة، وأهمية الحفاظ عن الأبنية التراثية، فيقهقه السمساران: «بدنا نعيش، ولكل شيء سعره، وسعر بيوت العاصمة ملايين. أمّا هويتها... فمن يشترِ يخطط لها».
أخيراً، حتى إقرار قانون حماية الأبنية التراثية، سيبقى المال سيد الساحة.