محمد محسن

لا تعرف مريم السعيدي مصير ابنها ماهر قصير. هل استُشهد مع المقاتلين، الذين تصدّوا للاجتياح الإسرائيلي عام 1982 في منطقة كليّة العلوم؟ أم أنّه ما زال حيّاً بعدما اختطفته الميليشيات، التي كانت إلى جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي؟ تميل إلى نظريّة أنه اختُطف على يد «القوات اللبنانية والكتائب». لكن، جلّ ما تعرفه السيدة الستينيّة، بوضوح يشبه ألمها، أنّه «يا ويلي إذا خرجت من الدنيا ولم أكرّم ولدي ماهر». تكريم للجسد الغائب، مهما كان مصيره. تذهب يومياً إلى معهد الفنون الجميلة في الحدث، تدرس الرسم، تسلّم على المنطقة التي فُقد فيها ماهر، وتعود لتحزن في بيتها.
هكذا، عرضت السعيدي، أمس، أمام الصحافيين وبعض زميلاتها من أمّهات المفقودين، صوراً رسمتها بيدها تكريماً لابنها ماهر، الذي فُقد منذ 28 عاماً بالضبط. في بيتها الصغير في الضاحية الجنوبية، خصّصت السعيدي مرسماً، فيه أدوات لرسم حزين. رسوم بالأسود والألوان الأخرى، تحكي وجعها. هنا صورة لماهر يمسك الرشّاش الحربي بطريقة خاطئة «هيدي أول مرة مسك فيها سلاح، مسكو متل الغيتار اللي كان يعزف عليه»، تقول مريم. وفي ناحية أخرى، تحتل صورتها مع ماهر مساحةً من الحائط «هو ابني البكر. كان أقربهم إليّ. ناقشته كثيراً قبل الذهاب إلى المعركة لكنّه رفض السفر. قال لي إسرائيل من أمامنا والبحر من ورائنا»، تقول. لا تتفاءل مريم بنتائج التحركات والاعتصامات، لكنّها تشارك «إن لم أشارك من أجل نفسي، فمن أجل زميلاتي. كلّ مفقود هو ولدي وأخي».
تطالب مريم بسفينة «لفكّ الحصار عن ملف المفقودين»، أمّا الصندوق الأسود، الذي بحث عنه المسؤولون بعد مأساة الطائرة الإثيوبية، فهو كما تقول السعيدي «موجود في رأس كل مسؤول». 28 عاماً من البحث أوصلت مريم إلى محصّلة أنّ «الدولة غائبة عن ملف المفقودين. غريب كيف أنّهم متّفقون جميعاً على عدم إنهاء هذا الملف». تصرخ أمام زميلاتها اللاتي حضرن يشاركنها في معرض تكريم ابنها، الذي استمر يوماً واحداً، مطالبةّ بكشف كل المعلومات عن مصير المفقودين: «ثمّة شهود يعرفون كل شيء، لكنّهم خائفون. لماذا لا توفّر الدولة حماية لهم، ليستطيعوا الحديث عن مصائر أبنائنا؟»، تسأل مريم.