قدّم رئيس لجنة الإدارة والعدل، النائب روبير غانم، اقتراح قانون إلى المجلس النيابي لتعديل قانون المطبوعات الصادر بتاريخ 14/9/1962 وتعديلاته، حيث يضيف الاقتراح موضوع النشر بواسطة الوسائل الإلكترونية، ويوسع نطاق ما يحظر نشره، خافضاً من الغرامة حيناً، متشدداً في فرض عقوبة الحبس أحياناً. فهل يصل إلى نقطة التوازن بين حرية الصحافة والمسؤولية في ممارسة المهنة؟


إكرام شاعر
شهد المجلس النيابي أخيراً عقد جلسة للجنة الإعلام والاتصالات النيابية، درست خلالها 9 مواد من اقتراح تعديل قانون لمطبوعات.
اقتراح القانون ترك هامشاً للصحافيين يتوافق إلى حد ما مع المعايير المعتمدة دولياً، فالأحكام استمرت في نهج القانون الحالي، بحيث لا تخضع المطبوعات لأية مراقبة مسبقة إلا في حالات استثنائية، كأن تتعرض البلاد أو جزء منها لخطر أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة (المادة 38 وما يليها من المرسوم الاشتراعي 104/77)، وتمنع التوقيف الاحتياطي (المادة 6 من القانون رقم 330/94)، وتعطي صلاحية النظر في جميع القضايا المتعلقة بجرائم المطبوعات إلى محكمة غير عسكرية. لكنها في المقابل، تمارس رقابة «لامرئية» من خلال تكريسها عدم اعتماد نظام التأسيس الحر عبر بيان «العلم والخبر»، ومن خلال فرض الحصول على رخصة من وزارة الإعلام بعد استشارة نقابة الصحافة لإصدار أية مطبوعة صحفية أو تأسيس دار نشر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى كل من يريد أن يبيع صحفاً وكتباً وغيرها من المطبوعات (المادة 74 من القانون الحالي). أعطت المادة 27 من الاقتراح مدة أطول لوزير الإعلام لمنح الرخصة إذا تحقق من أن طالب الرخصة استوفى الشروط القانونية، لتصبح شهرين في حد أقصى، بينما هي اليوم «خلال شهر من تاريخ تقديم الطلب».
الشكل الآخر لهذه الرقابة التي تحد، وإن على نحو مستتر من حرية الإعلام المقررة في الدستور والمعاهدات الدولية، هو استمرار التمييز بين المطبوعة الصحفية السياسية وغير السياسية، من دون أن يقدم الاقتراح تعريفاً للمادة السياسية التي من الممكن أن تتداخل مع مواد صحفية أخرى ليس آخرها انتهاكات الأجهزة الإدارية والقضائية لحقوق الإنسان؛ فقد التزم الاقتراح بالمرسوم الاشتراعي 74/53 الذي أغلق الباب دون إصدار أي مطبوعة سياسية جديدة، ونص على أنه لا يعطى الترخيص بعد أن يصبح عدد المطبوعات الدورية السياسية 25مطبوعة يومية سياسية و20 مطبوعة سياسية مؤقتة إلا لمن كان يملك صحيفة واحدة تتوقف نهائياً عن الصدور، فضلاً عن اشتراط ألا يقل رأسمال الشركات الصحفية عن مبلغ 500 مليون ليرة لبنانية، بالإضافة إلى أنه يجب على مالك المطبوعة أن يقدم كفالة نقدية أو مصرفية تضمن ما قد يترتب عليه من تعويضات مختلفة ومنح وزارة الإعلام تقدير هذه الكفالة (المادة 33 من القانون الحالي).

لم يراع الاقتراح الطبيعة غير المادية والسريعة الزوال للبيانات المتداولة في الوسائط الإلكترونية
الاقتراح، كما القانون الحالي، يفرض على صاحب المطبعة أن يقدم تصريحاً لوزارة الإعلام لتأسيسها، وفرضت عليه أيضاً أن يتخذ سجلاً يدون فيه بالتسلسل عناوين المؤلفات والمطبوعات المعدة للنشر وأسماء أصحابها وعدد النسخ المطلوبة منها، وهذا السجل يعرض على السلطة الإدارية والقضائية عند كل طلب. وتفرض المادة 19 من الاقتراح على المالك إرسال ست نسخ عن كل مطبوعة غير المطبوعات الدورية (هي 4 نسخ حالياً): واحدة للوزارة، وأخرى للمكتبة الوطنية، ونسخة إلى مؤسسة المحفوظات الوطنية ونسختان إلى نقابة الصحافة (الشرطان الأخيران غير مطبقين في القانون الحالي)، فضلاً عن إرسال نسخة للنيابة العامة إذا كانت المطبوعة سياسية. التجديد يتجلى في المادة 19 من الاقتراح التي أشارت إلى أنواع جديدة من الوسائل، فعلى كل مالك مؤسسة إنتاج أشرطة أو أقراص مدمجة إيداع مؤسسة المحفوظات الوطنية نسخة من مطبوعته أو إنتاجه، ويطبق هذا التدبير على جميع المواد الصوتية أو البصرية أو البصرية ـــــ السمعية التي تطبع وتسجل في لبنان.

جرائم المطبوعات

لعل أبرز ما يميز القيود على حرية التعبير عن الرأي هو أن مخالفة نصوص قانون المطبوعات يعاقب عليها بالحبس وبالغرامة، لأنها من المخالفات الجزائية، وتخضع للمرسوم الاشتراعي 104/77 جرائم المطبوعات والرقابة عليها وعلى مداخيلها، الذي ألغى المواد من 51 إلى 70 من قانون المطبوعات (1962). الاقتراح لم يغير المادة 6 من المرسوم التي تنص على أن كل خبر أو مقال تنشره إحدى المطبوعات الصحفية وترد فيه إشارة إلى شخص معين أو يقصد به ولو تلميحاً شخص معين يعطى هذا الشخص حق الرد تحت طائلة إنزال الغرامة بالمطبوعة والملاحقة القضائية، فاتحة المجال أمام الاستغلال المفرط لحق الرد، وخاصة أن عقوبة الحبس تعود وتحكم قبضتها حول عنق المدير المسؤول (المادة 57 من الاقتراح تفرض الحبس من 15 يوماً إلى 3 أشهر) في حال امتناع المطبوعة، لأسباب محقة محددة في القانون، عن تنفيذ قرار قاضي الأمور المستعجلة بوجوب نشر الرد، علماً بأن عقوبة الحبس قد أُلغيت من قانون 1952، ولا تفرض حالياً إلا الغرامة في هذا المجال. هذه العقوبة ما زال شبحها حاضراً ضمن الإطار نفسه في المادة 4 من المرسوم المعدلة في عام 1994 بالنسبة إلى رفض نشر تصحيح عن مقالات أو أنباء خاطئة تتعلق بالمصلحة العامة وينص الاقتراح على إعطاء إمكان طلب الرد إلى الوزير المختص، فضلاً عن وزير الإعلام.
يمنع الاقتراح نشر معلومات عن مداولات مجلس القضاء الأعلى، إلا ما يصرح به رئيس المجلس، ونشر صور أو كتابات تتناول انتحار القاصر، ومعلومات عن جرائم الاغتصاب أو التشهير بأسماء ضحايا هذه الجرائم أو كشف معلومات تمكن من التعرف إليها، ما لم يُستحصَل على موافقة مسبقة من ذوي العلاقة، فضلاً عن حظر إفشاء معلومات عن عمليات التبني، وأبقى العقوبات على حالها.
الاقتراح لم يقم بأي جهد تشريعي يرمي إلى توضيح بعض المفاهيم الضبابية كتعكير السلام العام
لم ينص الاقتراح على أي تعديل لجهة تعريف القدح والذم. ففي المادة 385 من قانون العقوبات اللبناني تعريف للذم مفتوح على احتمالات؛ فهو حسب المادة نسبة أمر، ولو في معرض الشك أو الاستفهام، ينال من شرفه أو كرامته. وكل لفظة ازدراء أو سباب، وكل تعبير أو رسم يشفان عن التحقير، يُعَدّ قدحاً إذا لم ينطو على نسبة أمر ما، علماً بأن لا تعريف للتحقير حتى في النبذة 3 من الفصل الثاني من قانون العقوبات المعنون «في التحقير»، والمادة 583 من القانون نفسه لا تسمح لمرتكب الذم تبريراً لنفسه بإثبات حقيقة الفعل موضوع الذم أو إثبات اشتهاره. تقترح المادة 65 خفض عقوبة الحبس على الذم لتصبح من شهر إلى 6 أشهر، مع إبقاء عقوبة القدح على حالها. المادة 67 من الاقتراح فضلت أن يكون للنيابة العامة الاستئنافية المختصة الصلاحية بتحريك دعوى الحق العام بمعزل عن شكوى المتضرر إذا نشرت إحدى المطبوعات ما يتضمن تحقيراً أو قدحاً أو ذماً بحق قاضٍ بسبب أو أثناء أو بمعرض ممارسته وظيفته القضائية، ويحق لها مصادرة أعداد المطبوعة، إلا أنها خفضت الحد الأدنى لعقوبة الحبس لتصبح من 6 أشهر إلى سنتين، بينما هي الآن من سنة إلى سنتين.
أما التعديل الأبرز في هذا الباب، فوقع في الباب السادس منه الذي يقترح إضافة المسّ بكرامة السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية إلى المسّ بكرامة الرؤساء، فشددت من عقوبة الحبس للمسّ بكرامة رئيس الدولة أو رئيس دولة أجنبية لتصبح من سنة إلى 3 سنوات، بينما هي حالياً من شهرين إلى سنتين (المادة 4 من القانون 330/94) لكنها في المقابل تقترح خفض الغرامة. ومن الملاحظ أن في هذه الجرائم تمييزاً بين عقوبة الجرم الواقع على الأشخاص والسفراء والموظفين، حيث تقام الدعوى بناءً على شكوى المتضرر والجرم الواقع على الرؤساء والقضاة حيث تحرك الدعوى النيابة العامة.
الاقتراح لم يقم بأي جهد تشريعي يرمي إلى توضيح بعض المفاهيم الضبابية كتعكير السلام العام وإثارة النعرات الطائفية أو العنصرية، أو تحقير إحدى الديانات المعترف بها في البلاد، وهل يتلاقى ذلك قانوناً مع المسّ بالشعور الديني المعرف في المادة 473 وما يليها (عقوبات)، والمسّ بالشعور القومي غير المعرف حتى في المادة 295(عقوبات) المعنونة «شعور قومي»، واستقر على معاقبة (المادة 70 منه) كل مطبوعة تنشر ما يتضمن الأمور الواردة أعلاه، فضلاً عن كل ما يعرض سلامة الدولة أو سيادتها أو وحدتها أو حدودها أو علاقة لبنان الخارجية للمخاطر، مشرعاً الأبواب على شتى أنواع الممارسات حتى القمعية منها، مقترحاً مضاعفة العقوبة في حال تكرار المخالفة دون أن يأخذ في الاعتبار أن يكون التكرار قد تم قبل مرور 7 سنوات على انقضاء العقوبة الأولى كما ينص القانون الحالي.

النقلة الإلكترونية

تمارس رقابة «لامرئية» من خلال تكريسها عدم اعتماد نظام التأسيس الحر
التجديد الأهم والأبرز والأكثر تماشياً مع ضرورات العصر يكمن في إضافة الفصل التاسع المؤلف من 4 مواد تضبط الجرائم المرتكبة في العالم الافتراضي كي لا يكون أرضاً خصبة للاعتداءات على الحقوق، حيث يعرف النشر الإلكتروني بأنه كل ما يوضع بتصرف الجمهور أو فئة منه بوسيلة من وسائل النشر الإلكترونية لإشارات أو علامات أو كتابات أو صور أو أصوات أو رسائل لا ترتدي طابع المراسلة الخاصة (المادة 74). لأن المادة 77 من الاقتراح لحظت أنه يعاقب بالعقوبة الملحوظة في هذا القانون كل جريمة منصوص عليها فيه يجري ارتكابها بواسطة وسيلة إلكترونية بما فيها جرائم القدح والذم وغيرها. فهل تصنف هذه الوسيلة الجديدة ضمن وسائل النشر الواردة في المادة 209(عقوبات) التي على أساسها تحدد العقوبات للتعرض للآداب العامة (المادة 531 وما يليها) وجرائم القدح والذم (المادة 385 وما يليها)؟ بمعنى آخر هل يكفي هذا التعريف للنشر الإلكتروني ليندرج ضمن إطار «الكتابة والرسوم والصور إذا عرضت في محل عام أو مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو إذا بيعت أو عرضت للبيع أو وزعت على شخص أو أكثر» المادة 209؟
فبالإضافة إلى خصوصية الطبيعة القانونية لهذه الشبكة وخدماتها، لم يراع الاقتراح الطبيعة غير المادية والسريعة الزوال للبيانات المتداولة ووضع آليات تتيح إمكان تكوين الدليل وعناصر الإثبات للجرم المرتكب، وفرض أن يكون لكل خدمة نشر مدير مسؤول، وعرف موزع الخدمات أنه شخص يتعاقد مع ناشري الخدمات لتكوين عرض خدمات موجه للجمهور بواسطة الشبكة، مرتباً عليه مسؤولية مدنية دون المسؤولية الجزائية إلا ثبت تدخله الفعلي في الجريمة، مطبقاً أحكام قانون العقوبات المتعلقة بالاشتراك أو التدخل الجرمي بين المدير ومؤلف المنشور كفاعلين أصليين.


الرقابة على مداخيل المطبوعات

لم يغير الاقتراح من أحكام الرقابة على مداخيل المطبوعات، حيث فرضت المادة 90 منه، أنه يجب على مالك كل مطبوعة أن يقدم كل 6 أشهر إلى وزارة الإعلام حساب الاستثمار العائد لمطبوعته. في هذا الحساب لا تدخل المبالغ أو الموارد الناتجة من ممارسة الصحافة بمفهومها المهني والقانوني (أي الكتابة في المطبوعات الصحفية وتصحيح كتاباتها ومدها بالأخبار أو المواد المترجمة والتحقيقات والصور والرسوم)، وعلى الوزارة أن تتأكد مما ورد في الحساب ومن موارد الإعلانات والمبيع بكل الطرق من أن الكسب قد جرى بطريقة مشروعة، تاركة دقائق التطبيق لمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الإعلام.
يُشار من جهة ثانية، إلى أن النائب حسن فضل الله (الصورة) قال أخيراً، إن لجنة الإعلام النيابية تبحث في إقامة ورشة عمل مع مديرين وأصحاب مؤسسات مرئية ومسموعة لمناقشة عدة نقاط، منها المادة المتعلقة بتعريف الصحافي.