عندما أعلن اللاجئون مسيرتهم للحقوق المدنية، كانوا يعرفون أن مسيرتهم ليست الأولى. فثمة من سبقهم: مارتن لوثر كينغ، صاحب الخطاب الشهير «عندي حلم»، وقبله المهاتما غاندي، قائد ثورة الملح وبعده «البور» في فرنسا، الاسم الثاني لجيل أبناء مهاجري العرب هناك


راجانا حمية
«عندي حلم». عبارة صغيرة بما يكفي. لكن، هل من أحدٍ يعرف أن هذه العبارة كانت مفتاح تحرّر الزنوج من عنصرية «البيض» في أميركا؟ ذلك الحلم الذي أطلقه «قسّ الثورة» مارتن لوثر كينغ قبل 47 عاماً أمام نصب إبراهام لينكولن، صاحب قرار تحرير الزنوج؟
«عندي حلم». هي العبارة نفسها التي يحملها «المنفيون» من فلسطين في لبنان، بلد لجوئهم. لا يتخطى حلمهم عتبة «الممكن». يشبه حلم لوثر كينغ وموهنداس كرمشاند غاندي، بعيش يومهم، دون خوف في البلد المؤقت. مجرد طلب تحصيل الحياة «بكرامة لنعود»، كما يقول شعار مسيرة الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين.
قبل 47 عاماً، سار لوثر كينغ و250 ألفاً من مناصري حقوق الإنسان، زنوجاً وبيضاً، في شوارع واشنطن. حلموا معاً بأبسط هدفٍ إنساني: الحياة ببساطة. لا أكثر ولا أقل. في حينها، كان الطلب ألا يعيش «الزنوج» هاجس اللون، فهم ببساطة «أبناء الله»، كما البيض. قبل الزنوج، سار المهاتما غاندي، وصام حتى الموت احتجاجاً على تكريس التمييز بحق طائفة «المنبوذين» الهنود في الانتخابات، ولاحقاً ضد الاستعمار البريطاني. وبعده سار ما يعرف بـ«البور» أو الجيل الثاني والثالث للمهاجرين العرب في فرنسا. فقد سار هؤلاء بمئات الآلاف نحو العاصمة باريس عام 2003 ليلتقوا يومها فرنسوا ميتران الرئيس الاشتراكي. استغرقت المسيرة أياماً، جال المتظاهرون تحت أعين الإعلام الفرنسي الذي واكبهم مروراً بكل ضواحي المدن الكبرى، أماكن سكن هؤلاء المهمشين والمضطهدين في بلد «المساواة والحرية والأخوة»، كما تقول الثورة الفرنسية.
واليوم، يسير الفلسطينيون للغاية نفسها: التحرر من التمييز والعنصرية. هي استكمال لمسيرات الحقوق التي بدأها القسّ والمهاتما قبل عشرات السنين. لكنهم لا يطلبون الكثير. مجرد الحصول على حقوقٍ إنسانية واقتصادية واجتماعية. لا أكثر ولا أقل. منها حق تحصيل لقمة العيش بطريقة شرعية وتملّك غرفة تؤويهم أو الحصول على بطاقة تعريفٍ تثبت وجودهم، دون الحاجة إلى العيش بالتحايل. والأهم من كل ذلك، الاعتراف بـ400 ألف منفي أنهم بشر، لا «غرباء» و«أجانب» و«مش منّا» و«فلستيني»، أو في أحسن الأحوال الحصول على كلمة «لاجئ»، التي من شأنها الاعتراف بهم في بلد لجوئهم على الأقل. لا يطلبون فلسطين ولا الجنسية اللبنانية ولا أية جنسية أخرى. جلّ ما يطلبونه العيش ببساطة، ولو بعد 62 عاماً.
العيش خارج الزنزانة الكبيرة التي سمّوها مخيّماً للجوء. في هذه النقطة بالذات، يشبهون حلم لوثر كينغ الذي أطلقه ذات آب من عام 1963. بعد مئة عام على المعاناة. لم يكن عبثياً خروجهم في مسيرة. بلغ الألم الذروة، كما هو حاصل مع فلسطينيي الشتات. مئة عام أو 62 عاماً، لا فرق. العنصرية نفسها، وكذلك الخوف. السود في أميركا هم الفلسطينيون اللاجئون في غير بلادهم. هم ببساطة، كما قال لوثر كينغ في خطابه الشهير: «ليسوا أحراراً». الحال نفسها، وإن اختلف أسلوب التمييز. فإن كان «السود» في أميركا يخافون البيض، فهنا الفلسطينيون أو في أي مكان لجوءٍ آخر يخافون جنسيتهم «المؤجّلة»، لأنها تحرمهم العيش. ففي لبنان، يُحرمون العيش تحت حجة التوطين والحفاظ على حقهم في العودة. فهل كان التمتّع بحقوقهم سيمنعهم من العودة إلى بلدهم الأم؟ وهل العودة مرهونة بالحصول على تلك الحقوق أو عدمها؟ معادلة خاطئة، غير منصفة لأربعمائة ألف يعيشون على هامش الحياة. كأن العودة لا تتحقق إلا بالتقشّف، بالعيش على الفتات 6 عقود وسنتين وربما ثلاثاً وعشراً.
لكل هذه الأسباب، يسير الفلسطينيون لأجل حقوقهم من المدينة الرياضية إلى ساحة البرلمان، منطلقين من 12 مخيماً و40 تجمعاً. سيفضحون معاناتهم على العلن، كما فعل القس عندما قال باسم «أبناء الله»، سوداً وبيضاً: «لا يمكن أن نكون راضين أبداً ما دامت أجسامنا متعبة بالسفر.. لا يمكن أن نكون راضين ما دام كلّ ما يستطيعه الزنجي هو الانتقال من حيّ فقير أصغر إلى حي فقير أكبر قليلاً... لا يمكن أن نكون راضين أبداً ما دام الزنجيّ في ميسيسيبي لا يمكن أن يصوّت... والزنجيّ الآخر في نيويورك لا يصوّت لأنه يعتقد أن لا شيء لديه ليصوّت من أجله».
لهذا، كان المسير. وكان الحلم بأنه في يومٍ من الأيام «سيعيش أطفالي في دولة لن تعاملهم بلون جلدهم، لكن بمحتويات شخصيتهم». حلم صغير، لا يتعدّى مطلب العيش. والأمل ألّا يُدفن ذلك الحلم، فتكون المسيرة الأولى والأخيرة على نية الحصول على الحقوق، إذا ما استمر خوف المستضيفين المزمن من ضيوفهم. موت، إن حصل، لن تكون وطأته أخف من الرصاصات التي اخترقت صدر غاندي وتلك التي أودت بحياة القس لوثر كينغ.