منذ أن قدّم نواب من كتلة اللقاء الديموقراطي ثم الكتلة النيابيّة للحزب السوري القومي الاجتماعي اقتراحات تعديل قوانين لتحسين أوضاع اللاجئين الاجتماعية والاقتصادية في المخيمات، ثارت عاصفة سياسية لم تهدأ آثارها حتى اليوم


قاسم س. قاسم
اعتاد المسؤولون الفلسطينيون في كل زيارة رسمية أو غير رسمية يقومون بها إلى المسؤولين اللبنانيين التذكير بأنّ الفلسطينيين يرفضون التوطين، ولا يرضون لفلسطين وطناً بديلاً. وفي كل مرة، كان ممثّلو السلطة الفلسطينية أو تحالف القوى الفلسطينية يؤكدون أن الحقوق الاجتماعية للفلسطينيين لا تعني توطيناً أو توطيناً مبطّناً كما سمّاها الرئيس الأسبق أمين الجميّل.
ومع ذلك، أثارت 4 اقتراحات قوانين قدّمتها كتلة اللقاء الديموقراطي في البرلمان اللبناني ردود فعل واسعة على الساحتين اللبنانية والفلسطينية. هكذا، رفض النواب من القوات اللبنانيّة وحزب الكتائب وكتلة الإصلاح والتغيير التصويت على صفة العجلة في جلسة مجلس النواب الماضية، ببساطة، «لأننا لا نرى مبرراً لإعطاء هذه الصفة لموضوع حساس إلى هذه الدرجة، يخلق شرخاً اجتماعياً وسياسياً، وبالتالي لا يمكن إقراره بهذه العجلة بل بتروٍ»، كما قال عضو كتلة القوات النائب أنطوان زهرا في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 22 الماضي.
أما المسؤولون الفلسطينيون، فقد كرروا المطالبة بالحقوق الاجتماعيّة للاجئين، باعتبارها حقوقاً لا يُمنّن بها، لكونها حقوقاً إنسانية بالدرجة الأولى.
لكن ما هي هذه القوانين التي شقّت صف التحالفات بين الكتل النيابية، على أساس سياسي بلبوس طائفي، واستطاعت أن توحّد ما سمّاه النائب وليد جنبلاط اليمين، المنقسم على ذاته؟
هي 4 اقتراحات لا تتجاوز في صياغتها 10 أسطر كانت كفيلة بتغيير حياة الفلسطينيين وإخراجهم من سوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشونها. فالاقتراح الأول ينص على تعديل الفقرة الثانية من المادة الأولى في قانون 296/2001 لتصبح على الشكل الآتي: «لا يجوز تملّك أي حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها ولأي شخص كان التملك يتعارض مع أحكام الدستور لجهة رفض التوطين. خلافاً لأي نص آخر، يحق للفلسطيني المولود على الأراضي اللبنانية والفلسطيني المسجل رسمياً في سجلات وزارة الداخلية والبلديات تملّك شقة سكنية واحدة، ولا يعدّ ذلك تعارضاً مع مبدأ التوطين. يطبّق هذا النص على التملك بطريق الإرث».
هكذا، أضاف مشرّعو كتلة اللقاء الديموقراطي على نص القانون الأصلي فقرة تقضي بالسماح للفلسطيني بـ«تملك شقة سكنية واحدة» وبتوريثها بعد وفاته، على عكس ما هو حاصل اليوم، إذ لا يستطيع الفلسطيني أن يسجّل أو يورّث أياً من ممتلكاته. بعد مرور أسبوعين على جلسة مجلس النواب، قال النائب زهرا إنّه مع أن تتملّك كل عائلة فلسطينية شقة سكنية في لبنان، كأن جميع العائلات الفلسطينية باستطاعتها ذلك، مقابل أن من يتملك شقة «يجب ألّا يبقى في المخيم، وبالتالي لا يعود من موجب لوجود غير الفلسطينيين ومنظمات عسكرية».
ربط النائب زهرا تملّك الفلسطينيين شقة سكنية واحدة بتخلّيهم عن مسكنهم في المخيمات، متناسياً أنّ اللاجئين يعدّون هذه المخيمات رمزاً لنكبتهم ودافعاً لعودتهم. وبالنسبة إلى نواب كتلة التغيير والإصلاح، فهم مع تعديل قانون تملك الأجانب ومن خلاله يسمح للفلسطينيين بالاستئجار على المدى الطويل أو المتوسط. في الاقتراح الأول، ذكر بوضوح أن الإقدام على خطوة كهذه، أي التملك لا يتعارض مع مبدأ رفض التوطين المنصوص عليه في مقدمة الدستور كما أشارت جميع الاقتراحات التي تقدم بها نواب اللقاء الديموقراطي على أن تبقى جميع هذه القوانين، إن صُدّق عليها، سارية المفعول إلى حين «تحقيق العودة إلى ديارهم»، كما ينص قرار حق العودة 194.
أما في الاقتراح الثاني المتعلق بحق العمل، فطالب النواب بتعديل مادة وحيدة من قانون العمل الصادر في 23/9/1946 لتصبح على الشكل الآتي: «يتمتّع الأجراء الأجانب عند صرفهم من الخدمة بالحقوق التي يتمتع بها العمال اللبنانيون على شرط المعاملة بالمثل، ويترتب عليهم الحصول من وزارة العمل على إجازة عمل، ويستثنى الأجراء الفلسطينيون المولودون على الأراضي اللبنانية والفلسطينيون المسجّلون رسمياً في سجلات وزارة الداخلية والبلديات من شرطَي المعاملة بالمثل وإجازة العمل الصادرة عن وزارة العمل إلى حين تحقيق العودة إلى ديارهم». في ما يتعلق بهذا التعديل، فهو يسمح لللاجئين بالعمل من دون الحاجة إلى استصدار إجازة العمل الواجب على الأجانب الذين يُعدّ الفلسطيني واحداً منهم. ويستفيد الفلسطينيون من تعويض نهاية الخدمة الذي لا يستفيد منه حالياً الأجراء الفلسطينيون الشرعيون الذين يدفعون من رواتبهم للضمان الاجتماعي، فيما لا يستفيدون من خدماته. كذلك يلغى مبدأ المعاملة بالمثل الذي تنص عليه أغلب القوانين اللبنانية، والذي تؤثر على الفلسطينيين مباشرة، وخصوصاً أنّ الفلسطيني لا يملك دولة قائمة معترف بها بإمكانها أن تعامل اللبناني بالمثل.
الاقتراح الذي سّبب أزمة، ورأى النائب سمير الجسر في جلسة مجلس النواب أنّه يناقض نفسه، هو تعديل الفقرة الثالثة من المادة 9 من قانون الضمان الاجتماعي عبر إضافة بند سادس جديد يقول: «يعامل اللاجئ الفلسطيني المقيم في لبنان إقامة قانونية معاملة المواطن اللبناني لجهة تعويض نهاية الخدمة والعناية الطبية عن الأضرار الناتجة من الحوادث وطوارئ العمل فقط من جانب وزارة الصحة والمستشفيات الحكومية وسائر المؤسسات الضامنة العامة والخاصة». أوصى الاقتراح المقدم بأن يعالج الفلسطيني عن الحوادث والطوارئ التي قد يتعرّض لها من صندوق الضمان، ولا سيما منها الحوادث التي قد تقع في العمل فقط، لأن الفلسطينيين وإن طالبت الدولة اللبنانية بأن يستفيدوا من ضمانها الصحي، فهم لن يقبلوا بذلك، بل سيعودون إلى وكالة الأونروا لتحميلها المسؤولية باعتبارها الشاهد الدولي الوحيد على نكبتهم، وعليها أن تقوم بواجباتها تجاههم.
بدورهم، نواب كتلة الحزب السوري القومي الاجتماعي قدّموا اقتراحات قوانين نصّت على تعديل الفقرة الثانية من المادة الأولى للقانون الرقم 296، لكن من دون ذكر عدد الشقق السكنية المسموح للفلسطيني بتملّكها، عكس اقتراح اللقاء الديموقراطي الذي ربط التملك بشقة سكنية واحدة فقط. والإضافات التي وضعها مشرّعو الحزب القومي أخذت في الاعتبار القوانين المقدمة من جانب كتلة اللقاء الديموقراطي، وأُدمجت كلها مع إضافة اقتراحات مقدمة منهم، مثل إعطاء الفلسطيني حق الانتساب إلى النقابات المنظمة بالقوانين، وتعريف التوطين وفقاً للقانون اللبناني، المطالبة بإعادة النظر في أوضاع مشطوبي القيد في وزارة الداخلية، وقدمت على أساس اقتراح قانون واحد. هكذا، بدت حملة اقتراحات القوانين المقدمة من الحزب القومي شاملة أكثر، وإن كانت الاقتراحات المقدمة من اللقاء الديموقراطي واقعية أكثر وتأخذ في الاعتبار الحدّ الأدنى المفترض أن يكون مقبولاً بالنسبة إلى النواب المسيحيين المتخوّفين من التوطين.
«إن رفضنا القاطع للتوطين لا يعني رفضاً لاستضافة الإخوة الفلسطينيين، والاهتمام بحقوقهم الإنسانية، بل تأسيس لحق العودة حتى قيام الدولة القابلة للحياة. لهذا فإن لبنان يشدد على ما ورد في المبادرة العربية»، عبارة قالها رئيس الجمهورية ميشال سليمان في 26 أيار 2008 في خطاب القسم. مرّ عامان على هذا الخطاب، لكن يبدو أن الكلام «بضلّو كلام»، مع رفض التصويت على القوانين.