عاملان هنديان ضحيّة انهيار مبنى معمل الألومنيوم في المنطقة الصناعية في زوق مصبح، «المعتّر معتّر أينما ذهب»، عبارة تكرّرت كثيراً أثناء عمليّات الإنقاذ التي كانت هي أيضاً «قاسية» على الضحيّتين، كما على الناجي اللبناني. الظروف كلها تلقي الضوء على حياة هؤلاء


ريتا بولس شهوان
من الصعب أن يحتفظ المرء بدموعه أمام مشهد الموت. كيف إذاً بالنسبة إلى الطبقة العاملة «الهندية» في المدينة الصناعية ـــــ زوق مصبح؟ هنا يوجد الهنود بكثافة: في محال الخردة، وبين رائحة المازوت والنشارة الناتجة من معامل الخشب. في زواريب «حيّ الكادحين» يقضون فترة الغداء، إن سُمح لهم بها، يفترشون الأرض بدل الطاولة، فيأكلون طبخة حمراء مادتها الأولية رُبّ البندورة. لم يجدوا لها بعد اسماً غير «أكلة الفقراء».
هم رجال، ونساء، وأولاد حوّلوا المدينة الصناعية إلى منزل لهم. ينامون في الطبقات الأرضية للمعامل، وفي أحسن الأحوال يتطوعون للعمل «ببلاش» كناطور في إحدى بنايات «أدونيس» المجاورة للمنطقة الصناعية، فيعملون بعد دوام المعمل، الذي يتعدى في بعض الأحيان 13 ساعة، في مسح الأرض، «شطف» الدرج، و«لملمة» النفايات المرمية بين الطبقات. أما قمّة الفرح والتسلية فتبدأ نهار السبت وتنتهي الأحد، في طبقة استأجرها العمال الهنود، من صاحب معمل محوّلين «طبقة» المعمل الأرضي الى مركز ترفيه وصلاة في «الويك إند». هذه قصة حياتهم باختصار. عمل لا دوام له، وأجر لا يتعدى 300 دولار أميركي. ومع ذلك يبتسمون. قد تصل قسوة الظروف إلى انهيار مبنى «فولدا»، إحدى الشركات التي تضم عدداً كبيراً من اليد العاملة الهندية، على رأس اثنين من التابعية، اللذين كان يمكن أن يكونا أكثر، باعتبار أن ناطور المعمل، الذي هو أيضاً من التابعية الهندية، يعيش في إحدى غرف المعمل في الطبقة الأرضية، مع زوجته وأولاده، مثله مثل العديد من أصدقائه «الموفقين» بنفس أسلوب الحياة ذاك. هكذا وقع المبنى على رأس الناجي اللبناني، وهنديين. فبين اللحظة صفر لانهيار مبنى المعمل «فولدا» صباح الخميس، حتى الساعة الرابعة من بعد ظهر السبت، لحظة انتشال آخر ضحايا المبنى، تجمع عدد كبير من أصدقاء «فاراتاراجان»، في الباحة الخلفية للشركة.
«فاراتاراجان» هو الضحية الثانية التي كانت باقية تحت الأنقاض، بعد خروج حارث عبود سالماً في اليوم الأول لعمليات البحث، وزميله «نيرمال» ميتاً. لم يحتفظ طبعاً أصدقاؤه بدموعهم، محوّلين الباحة الخلفية للشركة إلى «مندبة»، فكان الجميع يذرف الدمع والسبب الأساسي لحزنهم العميق هو تأخر عناصر الدفاع المدني في الوصول الى أصدقائهم، كما قال «موتا» شريك الضحية في


المدينة الصناعية بالنسبة إلى التابعية الهندية هي المنزل الذي يفتقدونه
السكن. هنا البكاء الجماعي بدأ لحظة إعلان الدفاع المدني أن خمس عشرة دقيقة تفصلهم عن رؤية صديقهم، قبل نقله الى مستشفى سيدة لبنان ـــــ جونية، إن سُمح لهم بوداعه الأخير. ولم يسمح لهم بعض عناصر الأمن حتى بذلك، فأصدقاء الضحية أخرجوا بالقوة من الباحة الخلفية للشركة، باعتبار «منّكن عمّال بالمصنع، لبرّا يلّا لبرّا» حسب أحد عناصر الأمن، ذاك الذي علا صوته أمام مشهد بكاء النسوة. طبعاً، لم يعرف عنصر الأمن هذا أن المدينة الصناعية بالنسبة إلى التابعية الهندية بصورة عامة هي منزلهم، فأخرجوهم من الشركة بالقوة.
خرج «فاراتاراجان» ميتاً، بعد مضي أكثر من 48 ساعة على بقائه تحت الأنقاض. كان حياً في اليوم الأوّل للحادثة حتى الساعة الواحدة من بعد الظهر. إلا أن بعض عناصر الدفاع المدني، الذين التقتهم «الأخبار» ينكرون معرفتهم بأن حارث كان يتكلم و«فاراتاراجان» من تحت الأنقاض. صعوبة البحث كانت محور الحديث، وتبرير عناصر الدفاع المدني، علماً بأنه في الساعات الأولى لسقوط المبنى كان الدفاع المدني يتكلم مفتخراً على منحة آلات فرنسية، غابت عن ساحة «فولدا»، بعد إخراج الجريح اللبناني. وبين تضارب المعلومات وأحاديث عناصر الدفاع المدني، يبقى كلام حارث، الدليل الوحيد على أن زميله كان حياً وأنه خرج نهار السبت ميتاً. بعد تأكيد خبر الموت، أبلغ أهل الزميلين الهنديين بخبر وفاتهما. هكذا قررت عائلة الزميلين، بعد اتصال شركة «فولدا» بالسفارة الهندية، استعادة جثتي ولديها لحرقهما في الهند، بعدما دفنتا تحت الأنقاض في لبنان.