باكراً اجتاحت قناديل البحر الشاطئ اللبناني هذا العام، مستبقة موعدها المعتاد الذي يحل عادة في شهري تموز وآب، ولسعاتها الحارقة نتيجة المواد التي تفرزها قد نالت من سابحين، أما سبب هذا الحضور المبكر للقناديل فمرده إلى عوامل عدة يبقى في طليعتها التغير المناخي


صيدا ــ خالد الغربي
«يلعن اخته شو كبير»، هكذا عبر المواطن حسن أبو ظهر عن سخطه بعد هجوم شنه عليه قنديل بحر خلال سباحته عند شاطئ صيدا، مبرراً بذلك عدم تمكنه من الإفلات من هذا القنديل الذي تركت إفرازاته آثاراً على بطن أبو ظهر ووجهه شبيهة بالحروق أو الخدوش، وليلدغ معها حسن من القناديل مرتين، إذ تعرض في آب من العام الماضي للسعة قنديل أدخلته يومها إلى المستشفى. أما فدوى الدهني فقد «عض القنديل طفلها من أول غطة له في ماء البحر»، قالت فدوى، مشيرة إلى أنها عاقبت القنديل اللاسع لطفلها «إذ أمسكت به بطريقة ذكية وأخرجته خارج المياه ودفنته في الرمال».
المنقذون البحريون ينصحون بوضع الخل الأحمر على مكان لسعة القنديل على جسم الإنسان، لكونها تخفف أو تقضي نهائياً على وجع اللسعة. أما الصيادون فيفضلون وضع مادة المازوت على مكان اللسعة لكون تلك المادة تزيل بثوان معدودة الورم وتطيح الوجع. وبين الخل الأحمر والمازوت، فإن خياراً ثالثاً ينصح به محمود العابد لمعالجة لسعات القناديل «إذا لسعك قنديل فما عليك إلا أن تبول على مكان اللسعة، وبتصح مباشرة» على حد قول العابد.
نقيب الغواصين المحترفين في لبنان محمد السارجي كان خارجاً لتوّه من قعر البحر ملتقطاً صوراً فوتوغرافية لأنواع من القناديل، عندما تحدث لـ«الأخبار» قائلاً: «القناديل تسبح مع التيارات البحرية على مقربة من سطح الماء، وبمجرد اصطدامها بسباح أو غواص تفرز مادة كيميائية سامة تكون موجودة في طبقة الخلايا الشريطية اللاسعة التي تبرز في أسفل القنديل كخيوط قطنية مختلفة الطول، للدفاع عن نفسها، لتسبب هذه المادة تورماً وآلاماً جلدية عند اللسع، ولا ضرر في لمس ظهر القنديل، أو القسم الأمامي منه، لأنه لا يحمل خلايا سمية».
وأوضح السارجي أن «قناديل البحر تنتمي إلى الهلاميّان اللاحشوية التي يشبه جسمها كيساً فارغاً مع نظام هضمي بدائي، وهي تعيش على سطح البحار أو قريباً منها. ويراوح حجمها من بضعة مليمترات إلى الأنواع الضخمة التي يزيد قطرها على المترين. أما مجسماتها الشعيرية فقد يصل طولها إلى العشرين متراً، كما في القنديل الذي يدعى «البارجة البرتغالية»، والتي تساعده في التقاط غذائه. أما في بحرنا فهناك نوع واحد من قناديل البحر تدعى روبيليما نوماديكا Rhopilema nomadica وهي متوسطة الحجم والقسم الأمامي منها بحجم كرة القدم ويبلغ طول شعيراتها الخلفية حوالى الثلاثين سنتيمتراً».
ويعزو السارجي سبب الانتشار الكثيف والمبكر للقناديل هذا العام إلى عدة عوامل «التغيير المناخي هو الأساس، كما أن السلحفاة البحرية التي تلعب دوراً في التوازن البيئي البحري، بدأ وجودها في الانحسار في بحرنا، ما يضيف سبباً آخر إلى تكاثر القناديل، إذ إن السلاحف البحرية تقتات من القناديل التي تعتبر الأكلة المفضلة لدى السلاحف البحرية، وقد ماتت الكثير من السلاحف البحرية نتيجة عبث أياد آدمية، فضلاً عن موت سلاحف عديدة بعد ابتلاعها أكياس نفايات بيضاء اللون تسربت إلى البحر من جبل الزبالة، ظناً من السلاحف أن هذه الأكياس هي قناديل بحر، لينتهي المآل إلى موتها اختناقاً».
«إذا ما تواجهت يوماً مع قنديل بحر فلا داعي للخوف أو الذعر»، هذا ما ينصحك به صيادو الأسماك عند ميناء صيدا، ويشرح أحدهم كيفية التعاطي مع الموقف «عليك لمس القنديل من القسم الأمامي بكل لطف لكي يغير وجهة سيره وسيكون من الخطأ أن يُضرب القنديل إلى حد القتل لأن شعيراته ستتطاير مع التيارات البحرية وتلسع كل من تجده في طريقها».
ويلفت الصيادون إلى بعض الإيجابيات للقناديل «فوجودها جزء لا يتجزأ من البيئة البحرية، وبعض الأسماك الصغيرة تحتمي بالقناديل من جشع الأسماك الكبيرة، وعادة ما نشاهد أسراباً من سمك «أبو ريشة» تسبح حول قنديل بحر بهدف الاحتماء به، ولولاه لهلكت هذه الأسراب في دقائق معدودة».
ويشير السارجي إلى طريقة توالد القناديل قائلاً: «القناديل الصغيرة تخرج من البيض وتلتصق بالصخور أو بأي شيء آخر تجده في الماء. ثم تتحول ببطء إلى شكل طبق لتأخذ لاحقاً شكل زهرة ذات بتلات، وكل بتلة هي قنديل جديد يبدأ بالوميض صغيراً ليستمر مشعاً ببريق أبيض يتلألأ في قاع البحر، لذا استحق بكل جدارة أن يطلق عليه اسم قنديل البحر».