ينطلق من المدينة الصناعية في الدكوانة ليصل إلى حي كرم الزيتون في الأشرفية مروراً بمنطقة الملعب البلدي في برج حمود. إنه «الجسر الظاهرة» الذي يمر فوق الأبنية أو بمحاذاتها على طول كيلومتر ونصف كيلومتر ليصبح الجار الأقرب إلى السكان


المتن ــ اليسار كرم
على الرغم من حركة السير التي لا تهدأ، يستمتع المشاة بالسير على الجسر باعتباره طريقاً سريعاً يختصر المسافات. لا زواريب فيه ولا مفارق، ولا حيطان تملأها الإعلانات والملصقات الدعائية. فقط نوافذ مربّعة متتالية يطل منها المارة على حميمية البيوت ويستعرضون مشاهد متسلسلة كـ«نيغاتيف» الصّور الذي لا يخلو من بعض السواد عند بعض النوافذ المغلقة بالستائر أو بالـ«أباجور» الخشبي القديم. أما الشرفات فلم تعد متنفساً يجلس عليه أصحاب البيت لشرب فنجان قهوة أو الاسترخاء بعد الظهر، بل تحوّلت إلى منشر للغسيل أو إلى ما يشبه مستودع الأغراض القديمة. فالجسر الذي كان مفترضاً أن يمثّل شرياناً حيوياً يربط بين قلب العاصمة بيروت والأطراف مرّ بين البيوت وبمحاذاتها وشطر الأحياء السكنية كشريط شائك يفصل بين منطقة وأخرى. عبَرَ فوق إرادة السكان والبلدية في برج حمود وكرم الزيتون (الأشرفية) بحجّة أنه سيمثّل الحل لأزمة السير في المنطقة وأنه سيقرّب المسافة بين وسط بيروت وكلٍّ من برج حمود (قرب الملعب البلدي) والدكوانة (قرب المدينة الصناعية).
«لشو الحكي؟ صار اللي صار» هكذا تعبّر إحدى ربات المنازل الملاصقة للجسر عن يأسها من إمكان تصحيح الوضع القائم. تضيف: «مضت عشر سنوات والجسر هو جارنا الأقرب. نشعر بكل حركة عليه ونسمع هدير السّيارات و«التشفيط» على مدار ساعات النّهار». السّيدة الأربعينية التي تعيش هنا مع عائلتها منذ عقود ترفض الإجابة عن أي سؤال: «كثيرون سألوا وتظاهروا بالاهتمام منذ بدء إنشاء الجسر حتى اليوم لكن شيئاً لم يتغير».
على أطراف الجسر، شبه رصيف ضيّق بالكاد يتسع لرجلي شخص واحد. تلاميذ المدارس الذين يغامرون بالسير على هذا الرصيف للوصول إلى مدارسهم في الأشرفية يسيرون عليه الواحد تلو الآخر، كالقافلة أو كصف العسكر. يعلو الرصيف عازلٌ من مادة «بليكسيغلاس» يوحي للسكان بالأمان «على الأقل لن يتمكن السارق من القفز إلى شرفات منازلنا»، يقول البعض. ويضيف البعض الآخر «الشظايا المتطايرة إثر بعض حوادث السير ترتطم بالعازل قبل أن تبلغ حيطان البيت أو تتسلل على غفلة منا عبر النافذة، وخصوصاً أننا في أيام الصيف ولا مفر من فتح الشبابيك عند انقطاع التيار الكهربائي واستحالة تشغيل المكيّف». أما عن التلوّث والغبار فـ«قرف» تجيب إحدى الصبايا متولية الإجابة عن أمها. تصف بسخرية معاناتها اليومية مع التنظيف وإزالة الغبار «بستحلي شوف البيت نضيف أكثر من نصف ساعة». وأما عن الضجيج، الذي يعتبر نوعاً من أنواع التلوث أيضاً، فـ«تعوّدنا» تقول بحسرة.
ويشير مستشار بلدية برج حمود والمتخصص بالتخطيط المدني، المهندس ديران هرمندايان، إلى أن «ظاهرة الجسر» هذه تشير إلى سوء التخطيط وأحادية التفكير التي تشوب عمل مجلس الإنماء والإعمار «من الخطأ إغفال وجود أبنية سكنية في المنطقة والعمل ميكانيكياً وبجمود كأن تحقيق الهدف الأساس، أي الربط بين العاصمة والأطراف، يتم كيفما كان، بصرف النظر عن الجانب الاجتماعي وتأثير المشروع على الحياة اليومية للناس وأعصابهم. كان يجب بناء مساكن بديلة لهم وفق ما اقترحت البلدية، قبل بناء الجسر. هل يجوز أن يكون الحيز العام في المدينة معادياً للناس بدل أن يكون لخدمتهم؟». يضيف: «قانون البناء يفرض أن يكون مدى وقوع النظر بين الأبنية 4.5 أمتار على الأقل. وهذا القانون لم يُحترم عند إنشاء الجسر. المعايير الجمالية للمظهر المديني لا تستوعب مرور جسر بعلوّ الأبنية، ما جعل الجسر دخيلاً على المشهد الحضري بل تشويهاً له. أما الجدوى من بناء الجسر، عملياً، فلم تتحقق بالكامل لأن الساكن في أطراف الأشرفية لا يلتقط أول الجسر بسهولة ليبلغ المناطق الواقعة شرقي نهر بيروت (سن الفيل، الدكوانة، برج حمود) بل عليه أن يقوم بـ«برمة طويلة عريضة» لا تنجّيه من ازدحام السير في أي ساعة من ساعات النهار». ويضيف هرمندايان ممازحاً «قد يكون من الأفضل ابتكار كاراجات أو محال لبيع قطع غيار للسيارات في الطوابق العليا المحاذية للجسر بدل أن يسكنها أناس مرغمون على العيش في جحيم الضجة والغبار».
أما تحت الجسر فحكاية أخرى بل عالم آخر. الطريق التي تمر من تحته وبموازاته أصبحت، على الرغم من ضيق مساحتها، مقصداً لكل من يرغب في ركن سيارته بعيداً من أشعة الشمس الحارقة في الصيف أو بمنأى عن مياه الأمطار الغزيرة في الشتاء. والرصيف العريض الذي يفصل بين خطي الذهاب والإياب تحول إلى ما يشبه الكورنيش يسير عليه أبناء المنطقة للتنقل من مكان إلى آخر أو لانتظار سيارة أجرة. ولسائقي الـ«سرفيس» أو «التاكسي» حكايا تحت الجسر. بعضهم يركن السيارة في فيئه عند الظهيرة لتناول طعام الغداء أو لأخذ قيلولة بعد عناء القيادة. بعضهم الآخر ينتظر زملاءه للعب «دق طاولة» أو للجلوس معاً وتبادل أطراف الحديث. أما الشبان الغاضبون والسكان المنزعجون فيجسدون نقمتهم برسوم وشعارات على أعمدة الجسر وحيطان التدعيم. وفي بعض المناسبات الدينية يبادر البعض إلى تزيين «منطقة تحت الجسر» وتركيب مغارة الميلاد أو مزار لأحد القديسين. ويذهب بعض الحالمين بتحويل نقمة الجسر إلى نعمة إلى تخيل مناسبات اجتماعية قد تجمع الناس وتعيد اللحمة بين الأحياء التي فصل الجسر بينها، عبر إقامة معارض للرسم على الرصيف العريض أو تقديم عروض مسرحية تجريبية أو إقامة ما يُعرف بـ«وليمة المحبة» حيث يتشارك السكان بمدّ السفرة على الطريقة اللبنانية.



أفلام وكليبات