تفاقمت أخيراً ظاهرة إطلاق النار من أسلحة فردية. يُطلق الرصاص في المشاكل العائلية والفردية و«ابتهاجاً». طلب الوزير زياد بارود من القوى الأمنية التشدّد في قمع هذه المخالفات، فهل سيوضَع حدّ لهذه الظاهرة؟


محمد نزال
حصل شجار في منطقة الرملة البيضاء داخل أحد المطاعم، أمس، استُخدم فيه السلاح الحربي، حيث أُطلقت النار دون أن يُصاب أحد. يأتي هذا الحادث من ضمن نحو 200 حادث مسلّح سجلتها تقارير أمنية، حصلت خلال أسبوعين، وذلك على مختلف الأراضي اللبنانية. هذا العدد من الحوادث المرتفع نسبياً، دفع ببعض المتابعين للشأن الأمني إلى طرح العديد من الأسئلة، تركّزت على أسباب تفاقم ظاهرة إطلاق النار، الذي يحصل أحياناً لأبسط الأسباب، بل ربما لأتفهها، وعن أسباب استمرار تفلّت السلاح الفردي في أيدي المواطنين، حيث بدا للمتابعين أنّ الوضع الأمني غير ممسوك، وخاصةً أنّ هذه الحوادث تحصل في عزّ الموسم السياحي في لبنان.ومن الأسباب التي توردها تقارير أمنية عن أسباب إطلاق النار، يأتي الابتهاج كأحد أكثر هذه الأسباب، وخاصةً في الأيام الأخيرة، حيث سُجل سقوط كمية كبيرة من «الرصاص الطائش» على السيّارات وشرفات المنازل، بعد «ابتهاج» مشجعي المنتخبات الفائزة في مباريات «المونديال».
أسباب أخرى توردها التقارير، منها المشاكل العائلية والفردية التي تحصل في مختلف المناطق، فتتطوّر أحياناً من تضارب بالأيدي إلى اشتباكات مسلحة، تُستخدم فيها الأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة، إضافةً إلى القنابل اليدوية والقذائف الصاروخية. أبرز هذه الحوادث كان ما حصل قبل أيام في منطقة الفنار ـــــ حي الزعيترية، حيث تحوّلت مشكلة عائلية إلى اشتباكات مسلّحة، استُخدمت فيها أسلحة رشاشة وقذائف صاروخية، وأُحرقت العديد من السيارات التي كانت متوقّفة هناك.
أسباب أخرى تذكرها التقارير، منها حالات إطلاق النار التي تحصل في الملاهي الليلية لأسباب شخصية، وتلك التي تحصل على الطرقات العامة بسبب «أفضلية المرور» أو بسبب «تلطيش الفتيات». آخر هذه الحوادث ما حصل قبل يومين في منطقة النبعة، حيث قُتل أحد المواطنين أمام محل للعب البلياردو، بعدما أصيب بطلقات نارية من سلاح حربي إثر خلاف شخصي مع عدد من الأشخاص، بحسب ما أكد مسؤول أمني لـ«الأخبار». وعن أسباب تفشّي هذه الظاهرة أخيراً، أشار العميد المتقاعد النائب وليد سكريّة إلى أنّ «السلاح لطالما كان موجوداً في لبنان بين أيدي المواطنين، ولكنّ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 زاد كمية السلاح، بعدما تدفقت إلى لبنان كميات هائلة منه». وأضاف سكرية في حديث مع «الأخبار» إنّ الأسلحة الحربية أصبحت منذ ذلك الحين «موجودة بكثرة بين أيدي عصابات السرقة وتجّار المخدرات، بل وعامة المواطنين، غير أنّ استخدامها يعود إلى طبيعة البيئة التي ينتمي إليها الفرد، فهناك مناطق تسود فيها العقلية العشائرية، حيث يكون الفرد مستعداً لإطلاق النار على الآخرين بسبب أفضلية المرور وما شاكل، وذلك لكي لا تنكسر كلمته أمام الآخرين، انطلاقاً من المفاهيم الاجتماعية التي يحملها».
وفي هذا الإطار، تشير التقارير إلى أن معظم حالات إطلاق النار في حوادث فردية تحصل في منطقتي البقاع والشمال، وعن أسباب هذا الأمر يقول النائب سكرية: «هذه المناطق هي الأكثر فقراً وحرماناً، وبالتالي، هذا ما يولّد عصابات سرقة وتجّار مخدرات تقتني السلاح وتستخدمه في حالات الدفاع عن نفسها، وأحياناً لأسباب واهية». ويختم سكرية قائلاً: «للحد من تفلّت السلاح، لا بد من التنمية والتعليم، لينتقل المجتمع من التخلّف إلى الحالة


أُطلق الرصاص ابتهاجاً بفوز عدد من رؤساء البلديات في مختلف المناطق
الحضارية، ويكون هذا مترافقاً مع قوة ردع مهابة، هي قوة الدولة وسلطاتها، لكي لا يستسهل الفرد استخدام السلاح في ظل عدم وجود ردع كافٍ وعقوبات مناسبة»، مضيفاً «للأسف فإنّ قوى الأمن انكفأت منذ الحرب الأهلية أمام الميليشيات وصارت ضعيفة في نظر المواطنين، فبتنا اليوم نرى أنّ بعض «مافيات» المخدرات قادرة على مواجهة القوى الأمنية وتحدّيها».
وفي سياق الحديث عن حوادث إطلاق النار، ذكرت تقارير أمنية أنه قبل 3 أيام، وعلى أثر انتخاب رئيس بلدية قبعيت ـــــ حلبا، أطلق «مجهولون» النار من أسلحة حربية في الهواء «ابتهاجاً وفرحا». عرفت القوى الأمنية أسماء 7 أشخاص من الذين أطقلوا النار، دون أن يجري توقيف أحد منهم، وذلك في ظل وجود «بعض التشنّجات في نفوس الأهالي، وخاصةً مناصري رئيس البلدية السابق من جراء إطلاق النار». هذا الابتهاج «البلدي» تكرّر في مختلف القرى اللبنانية، ومنها جب جنين ـــــ البقاع الغربي، وفنيدق ـــــ الشمال، وأنصارية ـــــ الجنوب.
حوادث إطلاق النار «الفردية» لا تتوقف على المدنيين، حيث كان لبعض العسكريين نصيب منها. فبحسب التقارير، أطلق الرقيب في قوى الأمن الداخلي همام غ. النار من مسدسه الأميري باتجاه كلّ من علي ع. (23 عاماً) وشقيقه جرجس (25 عاماً) فأصابهما في رجليهما. نُقل المصابان إلى أحد مستشفيات المنطقة للمعالجة، ثم أوقفت القوى الأمنية الرقيب المذكور، وعُلم أن أسباب المشكلة هي «خلافات شخصية».


لقطة

رأى المختص في علم النفس الاجتماعي، الدكتور شارل حرب، أنّ إطلاق النار ابتهاجاً، واللجوء إلى السلاح عموماً من الأمور التي «تعود إلى طبيعة التقاليد والعادات الموجودة في لبنان، ففي الأفراح يطلق البعض النار في الهواء، رغبةً منه في إعلام الآخرين بمدى فرحته»، رافضاً النظريات و«الشطحات» التي يقدمها البعض عن «أمراض نفسية» ملمّة بجميع مطلقي النار. ولفت حرب إلى البعض في لبنان «يظن أننا خارج السياق التاريخي، ويغيب عنه أننا خارجون من حرب أهلية تركت آثارها في المجتمع»، مشيراً إلى أنّ الحل هو في «إعادة تصويب بعض العادات في لبنان، فهذه مهمة أصحاب النفوذ والتأثير في الناس من سياسيّين وسواهم، وهذا ما ثبتت جدواه عندما ناشد بعض المسؤولين مناصريهم الكف عن إطلاق الرصاص ابتهاجاً».


قرار سياسي لسحب السلاح الفردي

أكّد المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، أنّ «ثمة ازدياداً في حوادث إطلاق النار من جانب المواطنين، عازياً السبب إلى «المونديال، حيث يطلق الرصاص ابتهاجاً بفوز البرازيل أو المانيا مثلاً، علماً بأن مواطني هذه الدول لا يفعلون ذلك في بلدانهم»، لافتاً إلى أن هذا الرصاص «الابتهاجي» أدّى حتى الآن إلى إصابة شخصين بجروح. وكشف ريفي أنه بناءً على تعليمات وزير الداخلية والبلديات زياد بارود، فقد عُمّم على القوى الأمنية التشدّد في ضبط مخالفات إطلاق النار في الهواء ومحاسبة الفاعلين.
وعن ظاهرة السلاح الفردي المتفلّت في أيدي المواطنين، أشار ريفي في حديث مع «الأخبار» إلى أنّ «المسألة ليست بيد قوى الأمن، إذ إنها تحتاج إلى قرار سياسي قبل أن نتمكّن من الدخول إلى البيوت لسحب هذا السلاح».