في المتن قصرٌ للعدل. يطل على الطريق العام بهيكل يميزه عن غيره من القصور، وهندسة توحي بالكثير من الرصانة وسط منطقة تعج بالمطاعم والمقاهي. يلاحظ أصحابها الحركة اللافتة التي يشهدها القصر يومياً، ويؤكدون أنه بات مصدر رزق لهم. لكن النعاس يملأ المكان والقهوة تحلّ كلّ المشاكل


اليسار كرم
يجمع المحامون الداخلون إلى قصر العدل في جديدة المتن والخارجون منه على أنه الأقل اكتظاظاً بين قصور العدل التي يعرفونها. أما العاملون في «تخليص المعاملات»، كما يعرّفون عن عملهم، فلا يرون فيه مكاناً يختلف عن غيره، يقولون إن لهم أصدقاء فيه كما في كل الدوائر و«فنجان القهوة» هو مفتاح الصداقات الجديدة.
غير أن المشهد العام في قصر العدل في جديدة المتن يختلف عن غيره. فالمبنى يُعتبر الأكثر وسعاً بعد عدلية بيروت والأحدث بعدما انتهت أعمال بنائه أواخر عام 1995. لا يخلو من بعض الزوايا غير النظيفة وبعض الإهمال، غير أنه يكسر الصورة النمطية التي سادت لفترة غير قصيرة عن قصور العدل المهملة والمنتشرة في المناطق اللبنانية. وكانت «الأخبار» قد أضاءت على هذه المشكلة في أكثر من عدد.
صندوق الدليل النقابي المعلق على الحائط والذي فرغ من الكتيبات يمتلئ بأعقاب السجائر وبعض الأوراق الممزقة. الإضاءة في الطابق السفلي الذي لا يصله نور الشمس معطلة لأسباب يجهلها الموظفون، وكذلك الإضاءة في غرف النظارة. الحمامات نظيفة لكن قسماً منها مقفل دائماً. بعض الملفات القديمة مكدّسة بعضها فوق بعض، وقد تناثرت منها الأوراق وتبعثرت على إحدى الطاولات في غرفة القاضي المنفرد المدني. وبعض الأقلام تعاني تسرّب المياه عبر جدرانها ورائحة رطوبة قوية كلما تساقطت الأمطار. ومع ذلك لا ينكر المتابعون أن أعمال الصيانة تجري دورياً في القصر، يتذكّرون يوم دخل الحضور إلى إحدى قاعات المحكمة منذ أشهر قليلة ولم يجدوا عبارة «العدل أساس الملك» مكتملة، فالأحرف الذهبية النافرة تساقطت عن الحائط. ويومها تساءلوا ساخرين «هل العدل مفقود هنا؟ إلى أين طارت الأحرف؟».

أحرف «العدل أساس الملك» تساقطت عن حائط قاعة المحاكمة
في الباحة الواسعة يلتقي المتنقلون بين قاعة نقابة المحامين وغرف المحاكمات ومكاتب القضاة، يتحدثون بجدية أو يمازحون بعضهم بعضاً ويتبادلون الآراء والمواقف والمعلومات. تشهد الباحة توافد المواطنين من مناطق مختلفة وبعيدة، فمحكمة استئناف الجنح في عدلية المتن تنظر في القرارات المستأنفة الصادرة عن قضاة المتن وجونية وقاضي جزاء قرطبا وجبيل، وفق التقسيم الإداري. كما تشهد أحاديث ساخنة واتصالات هاتفية مطولة، وقلق الداخلين إلى المحكمة وفرحهم أو خيبتهم عند الخروج، والوجوه تشي بذلك. على يسار الداخل إلى الباحة تقع محكمة استثناف الجنح ومكتب القاضي المنفرد الجزائي، أما على يمينه فقاعة محاكمات مدنية وغرف الأقلام. يتضح من الإعلانات المتلاصقة والمعلقة عشوائياً على اللوحة المخصصة لها أن جهة اليمين مخصصة للقضايا المدنية (مالية، تجارية، عقارية، أحوال شخصية، إيجارات...) أما الجهة اليسرى فللقضايا الجزائية.
لدى الدخول إلى قلم دائرة التنفيذ، وهو مقسم إلى غرف، يرتفع صوت الضحك والمزاح. الموظفون حفظوا الوجوه التي تتردد إليهم وتصادقوا معها بحيث لم تعد أحاديثهم تقتصر على العمل وتعدتها لتطال نتائج الأولاد في المدرسة ومصروف الزوجات على التبرج ومشاريع العطلة. كلمة السر للدخول في حديث جدي «بدنا نشرب فنجان قهوة»، ولطمأنة الموظف إلى أن حصته محفوظة قد يكون «مع سكّر».
الأدراج داخل الغرفة توصل إلى مكاتب القضاة التي تقع في الطابق الثاني، أما الطابق الأول فمخصص لمحاكم الاستئناف وفيه قلم واحد هو قلم محكمة الاستئناف المدنية. الدرج الوحيد النازل نحو الطابق السفلي غير مضاء، ما يجبر الراغب بالنزول إلى الكافتيريا، إذا كانت مفتوحة، أو إلى غرفة النظارة، على الخروج من حرم القصر والالتفاف حوله سيراً على الأقدام للوصول إلى مدخل النظارة الخلفي المختبئ بخجل وراء موقف للسيارات.
رجال الأمن مصابون بنعاس دائم، قد يكون بسبب الإضاءة الخفيفة وانقطاع التيار الكهربائي فترات طويلة، أو ربما بسبب غياب المكيّفات واضطرارهم البقاء في غرفهم ومكاتبهم على ضيقها، في ظلّ احتباس الهواء وارتفاع الرطوبة. لا يعرفون الهدوء على الرغم من أن النظارة مؤقتة وانتقالية، يودع فيها السجناء عندما يساقون من سجن رومية لحضور جلسات المحاكمة أو يبيت فيها من يأتي إلى النظارة ليسلم نفسه مدة 48 ساعة على أبعد تقدير. ومع أنه لا يوقَف أحد في هذه النظارة، لأن النيابة العامة موجودة فقط في مركز المحافظة أي بعبدا، إلا أن حصول إشكال داخل قصر العدل قد يؤدي إلى توقيف أحد المتورطين فيه. ولن يكون أحد من الموقوفين معززاً في غرف تفتقر إلى الإنارة والتهوئة، ولا مجال للجلوس أو النوم فيها إلا على فرش قديمة سبقها الدّهر وأكل وشرب ونام عليها.
يرى المحامي ميلاد الأبرش أن الأقلام والغرف ضيقة بالمقارنة مع تلك الموجودة في قصور العدل الأخرى، ما يعني أن مساحات المبنى الواسعة غير مجدية وهُدرت في مساحات فارغة. ويعبر معظم القضاة عن استيائهم وانزعاجهم من انقطاع التيار الكهربائي في مكاتبهم، وإن صودف وعولجت مشكلة المولد الكهربائي مؤقتاً، فإنه يتوقف عن العمل عند الثانية من بعد الظهر، فيما يجلس بعض القضاة في مكاتبهم حتى الخامسة عصراً، ما يعيق متابعة عملهم.
ويكشف مصدر قضائي أن بعض المحامين قاموا بـ«لمّية» لشراء مكيف لإحدى الغرف عوضاً عن انتظار الرد على الطلب المقدم، معرباً عن انزعاجه من البيروقراطية، ومنتقداً إهمال الدوائر الرسمية. فيما يروي أحد القضاة أنه خلال توجهه نحو مكتبه، وفيما كان عمال التنظيفات يفرغون إحدى الغرف من الأغراض القديمة، وجد أوراقاً تخصّ الجمهورية اللبنانية مرمية على طرف الدرج قرب أقدام المارة.


مشاكل الكهرباء والنظارات والسجون

لم ينف المدير العام لوزارة العدل القاضي عمر الناطور علمه بمشكلة انقطاع التيار الكهربائي في قصر العدل في الجديدة، وأكد أن الوزارة تقوم بالاتصالات والخطوات اللازمة لتأمين مولد كهربائي بديل من المولد المعطل منذ سنوات، على الرغم من أن شراء مولد جديد لم يكن محسوباً في الموازنة وكلفته ليست في الحسبان! وقال في حديث لـ«الأخبار» إن وزارة العدل تعمل جاهدة لتحسين ضروف الموقوفين في النظارات عموماً وفي الجديدة خصوصاً، وتعمل لانتقال السجون تدريجياً إلى إدارتها خلال العامين المقبلين بعدما كانت تحت إدارة قوى الأمن الداخلي لأكثر من أربعين عاماً. وأوضح أن الوزارة تعمل أيضاً مع وزارة الداخلية والبلديات منذ أكثر ستة أشهر من أجل إيجاد رؤية مشتركة لبناء سجون في مختلف المناطق تخفف من الضغط على النظارات والسجن المركزي في رومية.