عمر نشّابة

تمكّن الجيش وقوى الأمن الداخلي من جمع معلومات ودلائل مادية عن أشخاص مدنيين وعسكريين دفعت الى الاشتباه في ضلوعهم بعمليات تجسّس وتقديم خدمات تقنية ولوجستية للعدو الإسرائيلي. وبعد مراقبة كلّ منهم لمدد طويلة، تحت إشراف القضاء، تقرّر توقيف بعضهم واستجوابهم ومواجهتهم بالأدلة.
اعترف عدد منهم بالعمل لمصلحة العدو الإسرائيلي، لكن ذلك لا يمثّل إلا جزءاً بسيطاً من الاعتراف، إذ إن إدلاء الموقوفين بمعلومات صحيحة ومفصّلة ودقيقة تتضمّن أسماءً وعناوين ووقائع وتواريخ ومهمات محدّدة يعدّ أكثر قيمة من الناحية العملية. التحقيقات مستمرّة وتوصلت، على ما يبدو، الى جمع المزيد من المعلومات عن المشغّلين الاسرائيليين وعن عملاء محتملين آخرين. وعن تقنيات التواصل والتشغيل، نظراً إلى التقدّم المستمرّ لعمل المحققين حتى اليوم في هذه القضايا، وخصوصاً في ما يتعلّق بالموقوف المشتبه فيه بالعمل لمصلحة اسرائيل في شركة للخدمات الهاتفية النقالة، فإن السياق القضائي لملاحقة العملاء يُعدّ «فرصة ذهبية» لتصحيح وتطوير نظام العدالة في لبنان وتثبيت صدقيته. ويُعتمد على النائب العام لدى محكمة التمييز في اقتناص هذه الفرصة التي قد تؤدي الى تحقيق أربعة إنجازات أساسية هي:
أولاً، تحقيق العدل عبر محاكمة عملاء إسرائيل ومشغليهم. فإن آلاف الشهداء والجرحى والمتضرّرين من الاعتداءات الإسرائيلية المستمرّة منذ أكثر من خمسين عاماً من الخطف والقصف والاغتيالات والتدمير لم يحفظ حقّهم بتحقيق العدل حتى اليوم. فسعى البعض في الدولة بمساندة قوى دولية الى منح ذوي رئيس الحكومة السابق الشهيد رفيق الحريري حقهم في العدل عبر إنشاء محكمة خاصة بلبنان، بينما حُرم ذوو 1191 شخصاً استشهدوا في لبنان خلال تمّوز 2006 من حقهم بمحاكمة القَتَلة. إن تحقيق العدل هو الرسالة الأساسية التي كُلّفت بها المؤسسات القضائية، فلا بدّ أن ينأى ذلك عن أي تمييز بين الضحايا.
ثانياً، إنها فرصة ذهبية لاستعادة القضاء اللبناني مكانته كآلية فعّالة تتمتّع بالنزاهة والكفاءة، وخصوصاً بعد صدور تقرير لجنة تقصي الحقائق برئاسة بيتر فيتزجيرالد عام 2005 الذي ذكر عكس ذلك، فيما اعتبره بعض القضاة تشهيراً بسمعتهم وانتقاصاً من مكانتهم.
ثالثاً، إن هذه القضية تتيح للرئيس سعيد ميرزا وزملائه فرصة تسجيل مساهمة أساسية في مقاومة الظلم والجريمة والاعتداءات الوحشية على المواطنين الآمنين. إن بروز القضاء المقاوم في هذا الإطار لا يتعارض مع استقلاليته ونزاهة القيميّن عليه وكفاءتهم.
رابعاً، إن المحاكمة العلنية للمتهمين بالعمل لإسرائيل ترسّخ التلازم الضروري بين قوة الجسم القضائي الصادق والنفوذ الإعلامي المؤثّر.
المدعي العام لدى محكمة التمييز القاضي ميرزا يمكنه، بمساعدة زملائه وبدعم من وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى، اقتناص الفرصة عبر سعيه الجدي للقيام بالآتي:
1ـــــ استعانة المشرفين القضائيين على التحقيقات بأحدث التقنيات وبالخبرات العلمية المتطوّرة. ووضع دراسات مفصّلة تتناول آليات عمل شبكات التجسس والعمالة الإسرائيلية في لبنان.
2ـــــ قيام المشرفين القضائيين على التحقيقات بمقارنة دقيقة للمعلومات والدلائل المادية التي جُمعت أخيراً بمعلومات ودلائل جمعها سابقاً محققو فرع المعلومات وأجهزة أمنية أخرى كلّفت قضائياً بتلك المهمات. والطلب، بموجب الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب (1998)، من بعض الدول العربية الصديقة تزويد القضاء اللبناني بمعلومات قد تكون مفيدة للملاحقة والرصد والتعقّب.
3ـــــ اتباع الإجراءات القضائية المناسبة بدقّة وبحسب قانون أصول المحاكمات الجزائية. والتشدّد في الحفاظ على سرية التحقيقات، والحرص على نزاهة القضاة والموظفين وكفاءتهم، بمن فيهم الكتّاب والمساعدون القضائيون.
4ـــــ التركيز على تأمين حقوق المتضرّرين في الدولة والحقّ العام وفي الإطار الفردي والقطاع الخاص.
5ـــــ ضمان حقوق الموقوفين عبر احترام مبدأ قرينة البراءة وتأمين حقّهم في الدفاع عن أنفسهم قضائياً وحقّهم في استئناف الحكم الذي سيصدر بحقهم.
6ـــــ عقد مؤتمر صحافي لشرح الإجراءات القضائية ودعوة الإعلام الرسمي والخاص الى تغطية كامل وقائع جلسات المحاكمة وعرض الأدلة الاستنطاقية والمادية لضمان الشفافية ولتأكيد الصدقية.
وفي هذا الإطار، إن للتكامل بين القضاء والإعلام دوراً مركزياً. إذ إن لنقل وقائع محاكمة العملاء الإسرائيليين مباشرة عبر شاشات التلفزيون وعلى موقع وزارة العدل الإلكتروني، دور توضيح مصير من يقوم بأعمال مشابهة. كما أن في التغطية الإعلامية فائدة تحسين سمعة المؤسسات القضائية اللبنانية القادرة على رصد العملاء وتوقيفهم ومحاكمتهم بعدل وإنصاف.
إنها فرصة ذهبية لتحقيق القاضي ميرزا وزملائه إنجازاً يفوق بأضعاف إنجاز كشف شرطة دبي بعض العملاء الاسرائيليين خلال الأشهر الفائتة.
إنها فرصة ذهبية لحشر العدو الاسرائيلي وفضح جرائمه في محكمة عادلة وشفافة أمام العالم وعبر وسائل الإعلام.
إنها فرصة ذهبية لتحصين القضاء وتثبيت الثقة باستقلاليته والتزامه الحصري بمبادئ العدالة.
فهل تُقتنص الفرصة، أم تضيع كما ضاعت فرص أخرى سبقتها؟