كامل جابر
لم يزده وسام «الشمس الشارقة» إلّا عزماً على المزيد من العطاء والتنقيب في ذاكرة الشعوب. مسعود ضاهر صار أخيراً أوّل عربي ينال هذا الوسام الذهبي من إمبراطور اليابان أكيهيتو، من بين 62 وساماً مُنحت خارج اليابان منذ تأسيس الإمبراطورية، في المجالات الاقتصادية والتنموية. المؤرّخ اللبناني كتب عن نهضة اليابان واستراتيجيّتها وتاريخها ما لم يكتبه أيّ عربي.
هذا المؤرّخ الذي لا يهدأ أو يكلّ، يتقن الفرنسية والإنكليزية ويلمّ بالروسية واليابانية. لم يترك جامعة في العالم إلا زارها محاضراً أو مشاركاً في مؤتمر. يكرّس وقته للبحث والتأليف، ساعات طويلة كل اليوم منذورة للكتابة والبحث والتدقيق في وثائقه التي لا تعدّ ولا تحصى. «أكتب من خلال ما أجمعه من وثائق»، يخبرنا صاحب «الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية». جدران بيته في وطى المصيطبة (بيروت) ليست سوى مكتبات، وعلى رفوفها أكثر من 11 ألف كتاب بلغات متعددة، هذا إذا استثنينا الوثائق والدراسات. فقد كرّس ضاهر سنوات طويلة للاطّلاع على أرشيف الوثائق الفرنسيّة والروسية والإنكليزية والنمساوية والأميركية... حتّى إنّه خصص منحة كان قد حازها، للحصول على سبعة عشر مجلّداً من الأرشيف الأميركي عن لبنان ما بين 1835 و1960.
في الشيخ طابا (عكار ـــــ شمال لبنان)، ولد مسعود ضاهر عام 1945. تلمّس منذ صغره الفقر والعوز اللذين تعيشهما المنطقة، وعاش مع الحرمان المستشري على مختلف الأصعدة. تعلّم في مدرسة القرية دروسه الابتدائية، ثم تابع في مدرسة منيارة القريبة. عام 1960، التحق بدار المعلمين في زحلة، وسكن عاصمة البقاع ثلاث سنوات. الحراك الاجتماعي والثقافي هناك بين المكتبات الضخمة والندوات مثّل حافزاً لمسعود الشاب في ذلك الحين، فقرّر أن يتعلّم «حتى آخر رمق»، يقول. «لم أكن أتصوّر أنّني يمكن أن أقف عند مستوى ما، أو أن أرى أنّ ما تعلّمته بات كافياً».
في جامعة «السوربون»، نال دكتوراه دولة في التاريخ الاجتماعي عام 1973، وتعرّف إلى أحد كبار المؤرخين وعلماء الاجتماع الفرنسيين جاك توبي. لقاء شجّعه على الانحياز نحو التاريخ الاجتماعي. لكنّ النزعة اليسارية كانت قد تملّكت صاحب «تاريخ لبنان الاجتماعي 1914 ـــــ 1926» (كتابه الأول الصادر عام 1974 عن «دار الفارابي») منذ بداية دراسته الجامعية عام 1964. كانت علاقته وطيدة بمؤرخين مثل يوسف إبراهيم يزبك، وإدمون رباط، وقسطنطين زريق، إضافةً إلى عبد العزيز الدوري، رئيس اللجنة التي منحته «جائزة عبد الحميد شومان للعلماء العرب الشبّان» في الأردن عام 1983.
عن تلك الخيارات يقول: «لم أمتهن العمل السياسي بالمعنى الحرفي. كنت حزبياً لسنوات طويلة. انتسبت إلى «الحزب الشيوعي اللبناني» عام 1967، وعشنا مرحلة صعود اليسار. يفتخر المرء بأنّه كان ينتمي إلى التيارات العلمية العقلانية العلمانية حينها. حتّى خلال إقامتي في فرنسا، بقيت أشارك في اجتماعات أسبوعية في مركز الحزب الشيوعي الفرنسي».
يرى ضاهر أنّ المفكّرين الذين أحرزوا نقلة نوعيّة في مجال التأريخ هم ماركسيون أساساً: «من دون البعد المادي والاقتصادي في التاريخ، يصبح التأريخ مجرد أمنيات». «ما زال الفكر الماركسي في معالجة التاريخ بالمعنى العلمي هو الأساس، إذ نادراً ما نجد كتاب تاريخ ذا قيمة علمية إلّا يكون صاحبه من خلفية ماركسية».
لم توفّر شظايا الحرب الأهلية اللبنانية مسعود ضاهر اليساري، الذي كان يسكن في عين الرمانة. نُهب بيته كُلّيّاً ومكتبته ضمناً... مكتبة كانت تحتوي على ما جمعه طوال عقد كامل من وثائق ومراجع. هذا الأمر أخّر حصوله على الدكتوراه حتّى مطلع الثمانينيات. لاحقاً بسبب حريق المطبعة التي تعرّضت للقصف، احترقت مخطوطته «الجمهورية اللبنانية في عهد الانتداب من 1926 حتى 1943». حين جرّب طباعتها ثانيةً ضاعت المخطوطة ولم تُنشر حتى الآن. وبعد الاحتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كادت رصاصة طائشة تقتله، فإذا بها تشطر أنفه إلى نصفين. «صمدت في الاجتياح هنا في وطى المصيطبة، أنا وحبيب صادق ومحمد دكروب... لم أترك البلد. ما زلت أقول هذا البلد جيد، والشعب طيّب، وأريد أن أرى الجانب الإيجابي فيه. أنا شخصياً مقتنع بأنّ صمود الشعب اللبناني أرقى تجربة في التاريخ العربي الحديث والمعاصر». ورغم العروض التي تلقّاها للتدريس في جامعات عربية ودولية، بقي مسعود ضاهر يرفض فكرة السفر. «سأبقى في البلد مع أصدقائي، لأنّني أشعر بأنّ هجرة المثقف لا معنى لها».
في عام 1989، دعاه رفيقه الشيوعي المؤرخ السوري عبد الله حنا إلى اليابان محاضراً زائراً في معهد الاقتصاديات المتطوّرة في جامعة طوكيو. هناك أمضى عاماً كاملاً، وكانت تلك الزيارة مقدّمة لموسوعة وقّعها عن اليابان. هكذا أنجز «النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدّمات واختلاف النتائج» التي نُشرت ضمن سلسلة عالم المعرفة في الكويت عام 1999، و«النهضة اليابانية المعاصرة: الدروس المستفادة عربياً» (مركز دراسات الوحدة العربيّة ـــــ 2004). بعد اليابان، بدأ سبر غور التجربة العُمانية، وخصوصاً بعدما نشر كتابه «الاستمرارية والتغيير في تجربة التحديث العمانية 1970 ـــــ 2005» (دار الفارابي ـــــ 2008).
بعد أكثر من عشرين كتاباً مختلفاً في التاريخ، صدرت بالعربيّة والإنكليزيّة، خلص مسعود ضاهر إلى أنّ «دور المؤرخ هو أن يرى كيف يتطور مجتمعه، لأنّ الإنسان هو من يصنع تاريخه». وماذا عن المؤرخ؟ «إنّه لا يصنع التاريخ بل يكتبه. وهذا يحتاج إلى موضوعية كبيرة، وخصوصاً أنّ مسيرة التاريخ علّمتنا أنّ الثابت يمكن أن يتحوّل، والمتحوّل يمكن أن يصبح ثابتاً».



5 تواريخ

1945
الولادة في الشيخ طابا
(عكار، شمال لبنان)

1967
انتسب إلى الحزب «الشيوعي اللبناني»

1973
نال دكتوراه دولة في التاريخ الاجتماعي من «جامعة السوربون»، ويدرّس في «الجامعة اللبنانية» منذ ذاك الحين

1999
صدور «النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدّمات واختلاف النتائج»، ضمن سلسلة عالم المعرفة (الكويت)

2010
منحه إمبراطور اليابان الوسام الذهبي لنشر الثقافة اليابانية من مرتبة «الشمس الشارقة»