أطلق فريق من الباحثين في الجامعة الأميركية في بيروت، أمس، دراسة عن الكلفة الاقتصادية للتدخين في لبنان. وتأمل مجموعات الضغط أن تدفع التحذيرات المروّعة التي وردت في الدراسة، باتجاه إقرار قانون للحدّ من التدخين الذي أدخله «نواب الأمة» في غيبوبة اللجان الفرعية


بسام القنطار
يبلغ الأثر الصافي للتدخين على الاقتصاد اللبناني، خسارة بقيمة 55.4 مليون دولار أميركي في السنة. من يقرأ هذه المعلومة وفي يده سيجارة أو نرجيلة، عليه أن يحبس أنفاسه، ويفكر ملياً قبل أن يطلق دخانه في الهواء.
جرى احتساب هذه الكلفة بعد دراسة معمّقة أعدّها أستاذا الاقتصاد في الجامعة الأميريكية في بيروت، جاد شعبان ونسرين سلطي، والباحثة في العلوم الصحية ناديا نعماني. وتدحض هذه الدراسة مقولات خاطئة ومنتشرة عن التأثير الإيجابي للتدخين على الاقتصاد اللبناني. والمواضيع التي تتناولها تشمل تأثير قانون مكافحة التدخين على المزارعين، والبيئة، والأعمال، والسياحة، وقطاع الإعلان، بالإضافة إلى تأثير استهلاك التبغ على الفاتورة الصحية.
وبالرغم من أن هناك العشرات من الدراسات عن الأثر الصحي للتدخين، إلا أن مقاربة الموضوع من منظور اقتصادي من شأنها أن تعيد خلط الأوراق، وتضع لوبي الشركات المستوردة للتبغ وشركات الإعلان في موقف حرج، بعدما نجحوا منذ عام ١٩٩٣ في عرقلة إصدار تشريع يساهم في الحد من التدخين في لبنان.
وغالباً ما يؤدي إبراز الخسائر المالية، إلى تغيّر في اتجاهات الرأي العام، فمن المعلوم أن التقارير العملية المتعلقة بمخاطر تغير المناخ، لم تحرك صناع القرار، بقدر ما فعلت دراسة الخبير الاقتصادي البريطاني نيكولاس شتيرن عام ٢٠٠٧، الذي أسهمت مراجعته العلمية لاقتصادات تغيّر المناخ، في دفع العديد من الدول الصناعية إلى تغيير سياساتها المتعلقة بمفاوضات المناخ التي تدريها الأمم المتحدة.
استندت دراسة الثلاثي «شعبان ـــ سلطي ـــ نعماني» التي موّلها معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، إلى حجم تدفقات المعاملات في سوق التبغ والأسواق الأخرى ذات الصلة، وقد حددت أربع فئات من أصحاب المصلحة الأساسيين المباشرين: المستهلكون، ومزارعو التبغ، وإدارة حصر التبغ والتنباك ـــــ الريجي، والموزعون المحليون المرخص لهم. كما صنفت الدراسة فئة وكالات الإعلان وتجار المفرّق باعتبارهم من أصحاب المصلحة الثانوية.
أجرت الدراسة لكل مجموعة من هؤلاء العملاء، تقديراً لتدفّق الأموال الداخلة والخارجة من بيع أو شراء المنتجات ذات الصلة بالتبغ. وأشارت التقديرات إلى أن الربح الصافي من المعاملات في ما بين أصحاب المصلحة المباشرة يبلغ نحو 271.3 مليون دولار سنوياً.

الدراسة ستضع لوبي الشركات المستوردة للتبغ وشركات الإعلان في موقف حرج
من جهة أخرى، حددت الدراسة فئات أصحاب المصلحة الذين يتكبّدون التكاليف ويجنون الأرباح من التدخين والمنفصلة عن تكاليف المعاملات المباشرة والأرباح المرتبطة ببيع وشراء السلع ذات الصلة بالتبغ. وهذه الفئات تشمل وزارتي المال والصحة، وأصحاب العمل، والمدخنين غير المباشرين، والبيئة والاقتصاد اللبناني عموماً. وجرى تقدير الإيرادات والنفقات المرتبطة بالتبغ لكل من هذه الفئات. وفيما يدخل الخزينة اللبنانية من بيع التبغ عائدات الضريبة والعائدات الجمركية والإيرادات من الضريبة على القيمة المضافة، تدعم وزارة المال مزارعي التبغ المحليين، عن طريق شراء محصولهم بسعر مدعوم.
أما لناحية آثار التبغ غير المباشرة، فتبيّن الدراسة أن الكلفة الصحية والبيئية تشمل التكاليف المرتبطة بالعلاج الطبي من أمراض ذات صلة بالتدخين لكل من المدخنين والمدخنين غير المباشرين، والتي تتكبدها وزارة الصحة.
كذلك تشمل التكاليف تضاؤل الإنتاجية من قبل المدخنين والمدخنين السابقين في العمل والتي يتكبدها أصحاب العمل، وتكلفة البيئة من حيث زيادة خطر حرائق الغابات وازدياد النفايات في الشوارع التي يتعيّن جمعها، والتكلفة الإجمالية للاقتصاد الناشئة عن الإنتاج الضائع بسبب الوفاة المبكرة للمدخنين.
وتشمل الأرباح غير المباشرة المدّخرات على الفاتورة الطبية للرعاية الطبية للشيخوخة إثر الوفيات المبكرة بسبب التدخين، فضلاً عن توفير المعاش التقاعدي بالنسبة إلى المدخنين الذين يموتون قبل بلوغ سن التقاعد.
بسبب قلة البيانات، لم تستطع الدراسة تحديد التكاليف الصحية للمدخّنين غير المباشرين، والتكاليف الصحية للتدخين. فمن أصل 27 مرضاً يسببها التدخين، ركزت الدراسة على أمراض القلب والشرايين وسرطان الرئة والمثانة وأمراض الجهاز التنفسي، باعتبارها الأمراض الأكثر انتشاراً وفتكاً. وتبلغ الخسارة الصافية حسب تقديرات الباحثين المشاركين في الدراسة 326 مليون دولار. وهي مفصلة بين 146 مليون دولار كلفة معالجة الأمراض و13 مليوناً الكلفة البيئية موزعة بين الكلفة الناتجة من حرائق الغابات وكلفة الكنس والجمع للنفايات في الشوارع والتي تبيّن حسب الدراسة أن 46% مكونة من أعقاب السجائر. و102 مليون من جراء خفض الإنتاجية بسبب الغياب عن العمل و64 مليوناً كخفض إنتاجية بسبب الوفاة.
وتعليقاً على هذا الموضوع، لفت د. جورج سعادة مدير البرنامج اللبناني الوطني لمكافحة التدخين، إلى أن تقديرات الدراسة لناحية الكلفة متحفظة جداً، وأن الدراسات التي أجراها البرنامج بيّنت أن الكلفة تتجاوز 450 مليون دولار. لكن د. شعبان دافع عن الرقم الذي قدمه، لافتاً إلى أن الكلفة تعتمد الحد الأدنى نظراً إلى ندرة البيانات المرتبطة بمصدر أساسي بشأن التكاليف ذات الصلة بالتدخين، ونظراً إلى طرق الاحتساب الحذرة لمعدّلات الإصابة والفواتير الطبية المرتبطة بها. وأوضح أن الدراسة لم تشمل على سبيل المثال، كلفة رعاية الأطفال المعوقين بسبب أمهاتهم المدخنات. كما تبين الدراسة أن كلفة إنفاق الأسر الفقيرة على التدخين، هي أقل بقليل من كلفة إنفاقهم على التعليم. وفي خلاصة التقديرات عن تكاليف التدخين، وإذا حسمنا الكلفة الصحية البالغة 326 مليون دولار من أرباح المعاملات المتعلقة بالتدخين والبالغة 271 مليون دولار أميركي في السنة، فإن الأثر الصافي للتدخين على الاقتصاد اللبناني الذي بيّنته الدراسة هو خسارة تبلغ 55.4 مليون دولار أميركي في السنة.
د. ريما نقاش من فريق أبحاث مكافحة التدخين في الجامعة الأميركية، أكدت أن الذين يعملون من أجل إقرار القانون الذي يحدّ من التدخين، يواجهون من قبل الفئات المتضررة بالعديد من الذرائع المضادة، وفي المقابل قام الفريق بدحضها استناداً إلى نتائج الأبحاث والقرائن العلمية. وبحسب نقاش، فإن هذه الدراسة ستسهم في دحض المزيد من الشائعات التي تقول إن الحد من التدخين يؤثر على الاقتصاد اللبناني.
ولقد عمد الفريق في الآونة الأخيرة إلى تكثيف جهوده في نشر المعلومات وترجمة نتائج البحوث بغرض ترشيد السياسات. ويتعاون فريق الجامعة الأميركية مع البرنامج اللبناني الوطني لمكافحة التدخين التابع الذي تشرف عليه وزارة الصحة، ومع العديد من الجمعيات الأهلية، مثل مبادرة التحرر من التدخين، ورابطة الناشطين المستقلين اندي آكت، وتحالف المنظمات اللبنانية غير الحكومية لمكافحة التدخين والتي يتم تنسيقها من قبل جمعية الشبان المسيحية.


مماطلة «الإدارة والعدل»

يمثّل إرجاء اجتماع اللجنة الفرعية للجنة الإدارة والعدل الذي كان مقرراًً، أمس، لمناقشة مشروع القانون للحد من التدخين أحد أوجه المماطلة، من أجل عدم إقرار قانون يساعد على تقدم السياسات الوطنية لمكافحة التدخين، من خلال حظره في الأماكن العامة، وحظر الإعلان والرعاية، ووضع تحذيرات بارزة مع صورة على المنتجات. منذ مطلع هذا العام، اجتمعت لجنة الإدارة والعدل واللجنة الفرعية المنبثقة عنها حوالى 6 مرات لمناقشة مشروع القانون. وحتى اللحظة لم ينتج منها أي تقدم ملحوظ. وتناقش هذه اللجنة مشروع قانون أعدّ عام ٢٠٠٤ في لجنة الصحة النيابية، وتصنف العديد من مواد المشروع المقترح بأنها ضعيفة، وخصوصاً أن فترة السماح التي يتضمنها المشروع لشركات الإعلان انتهت عملياً عام ٢٠٠٨ من دون أن يعني ذلك أن عدم إقراره في المجلس النيابي يمثّل سنداً قانونياً وأخلاقياً لشركات الإعلان لتطالب بفترة سماح جديدة، وقد هددت في آذار الماضي «بصرف وظيفي على نطاق واسع» في حال إقرار القانون. علماً أنه، وبحسب الباحث جاد شعبان (الصورة)، فإن شركات التبغ تنفق 7.2 مليون دولار على الاعلانات أي ما نسبته 9.6 % من اجمالي الانفاق الاعلاني البالغ 156 مليون دولار.