إيمان الجابر

شاركه جان جينيه في كتابة سيناريو فيلم تخرّجه من «جامعة باريس الثامنة» مطلع السبعينيات. «موتى في سبيل فلسطين»، يحكي قصّة المطران كبوشي، رئيس أبرشيّة القدس للروم الكاثوليك المنفيّ، ويصوّر الاغتيالات الصهيونية لمندوبي «منظمة التحرير الفلسطينيّة» في العالم. الفيلم جعله هدفاً لهجمات شرسة في فرنسا. الشرطة الفرنسيّة ضيّقت عليه، و«المنظمات اليهودية» في باريس حاولت منع عرض العمل. سبب الشريط طرده من باريس، وسحب إقامته، قبل أن تساعده محامية معنيّة بالقضيّة الفلسطينيّة، هي ميشال بوفيلار التي رفعت دعوى استعاد إقامته على إثرها.
يضحك مأمون البني اليوم وهو يتذكّر تلك التجربة: «خلال عرض الشريط في دمشق، حضره السفير الفرنسي وأعجب به، ما سهل عليّ الحصول على الجنسية الفرنسية عام 1980».
لم يترك المخرج السوري الأحداث غير المحسوبة تسيّر حياته. ما وصل إليه اليوم، هو نتيجة قرارات اتخذها بروية. حصل صاحب «شبكة العنكبوت» على الثانوية العامة في سوريا، ثمّ توجّه إلى باريس لدراسة التصوير السينمائي في «معهد لوي لوميير» بعدما فاز بمنحة دراسيّة. كانت باريس تلتهب بنيران التغيير والثورة الطلابية. في «عاصمة الأنوار» تعلّم التصوير السينمائي، وعلى طريقة الطلاب الباريسيين، شارك في التظاهرات. نشط في «اتحاد الطلبة السوريين»، لكنّه لم «يتورّط مع الأحزاب» رغم هواه اليساري.
خلال الدراسة في المعهد، تعرّف إلى أساتذة ومخرجين كبار. تأثّر بجان لوك غودار وفرانسوا تروفو اللذين كانا محاضرين زائرين. في السنة الأخيرة، قرر دراسة الإخراج... حصل على دبلوم التصوير، ثم توظف في «التلفزيون الفرنسي»، وانتسب إلى «جامعة باريس الثامنة». منها حاز ماجستيرَ في الإخراج، وتركت «الموجة الجديدة» بصماتها على أسلوبه ووعيه واهتماماته.
حبّه للفن والتصوير حمله معه من بيت دمشقي تقليدي في حي ساروجة. والده كان متعهد بناء، وأمه تفرغت لتربية خمسة أطفال. تعرف صاحب «الكابوس» إلى الفنّ طفلاً صغيراً. كان يتأمل أخاه الأكبر وهو يعزف على الكمان وعلى العود. «أسس أخي عدداً من الفرق المسرحية مطلع الخمسينيات. أحببت الفن من خلاله ومثلت تحت إشرافه».
في تلك المرحلة، تعرف إلى الفنان ياسر العظمة «كان في المرحلة الثانوية، وأنا في المرحلة الإعدادية، لكنّ كلينا حرص على حضور عروض الآخر». وفاة أخيه شاباً جعلته يجد نفسه الوريث الشرعي لأحلامه: «أحببت عالمه إلى درجة تقمص شخصيته. لكن بعد وفاته، بدأت تتبلور أفكاري وأحلامي الشخصيّة».
الكاميرا الفوتوغرافيّة التي قدمها له أحد إخوته بعد نجاحه في الإعدادية، أضاءت له جانباً خفياً في شخصيته: «اكتشفت أنني أحب التصوير. يا له من اختراع، يخوّلك أن توقفي الزمن!». عمل مساعداً لمصورين في التلفزيون السوري، ثم مصوراً سينمائياً في قسم الأخبار والبرامج. هذه الخبرة المبكرة كانت من أهم العوامل التي سهّلت حصوله على منحة للتخصص في فرنسا.
الجملة التي قالها له صاحب «أربع ساعات في شاتيلا» حين ودّعه في باريس، بقيت ترنّ في أذنيه: «أنتم العرب تنظرون دوماً إلى الهرم مقلوباً. ترفعون الشعارات في القمة، من دون النظر إلى المشاكل الصغيرة التي تمثّل القاعدة»، قال جينيه. قرر البني أن ينظر إلى الهرم بالطريقة الصحيحة: «أردت أن أنجز أفلاماً عن العامل والنساء والأطفال».
كان أول الغيث فيلماً قصيراً بعنوان «يوم في حياة طفل»، حصد جائزة «التانيت» الذهبي في «مهرجان قرطاج السينمائي» عام 1980. ثم جاء الشريط التسجيلي «المرأة الريفية» الفائز بـ«السيف الفضي» في «مهرجان دمشق» ليحقّق نجاحاً كبيراً، إضافةً إلى 13 شريطاً تسجيلياً للتلفزيون السوري عن المهن اليدوية... لكنَّ توجّهاته السينمائية لم تلقَ قبولاً رسمياً. احتدم الجدل بينه وبين القائمين على التلفزيون بسبب أفكاره الجريئة. التصادم بين عقليته المتأثرة بالحداثة والعقليات المتشدّدة، أوصله إلى قرار السفر.
في أبو ظبي، عمل في شركة جزائرية ــ فرنسية. أنجز مجموعة أفلام وثائقية عن عمليات تصنيع النفط، مبتعداً عن مشروعه الأثير. «بعد أربع سنوات، كان لا بد للمصادفة من أن تلعب دورها بعدما فشل التخطيط». التقى مدير التلفزيون السوري فؤاد بلاط عام 1983 في الكويت، فطلب إليه الأخير العودة إلى سوريا والعمل في التلفزيون.
كان كتب مع رفيق صبان سيناريو لفيلم بعنوان «نساء بلا أجنحة». لكنّه طوى صفحة العمل السينمائي، وحوّل النص إلى عمل تلفزيوني، فكان أوّل مسلسل له من إنتاج «التلفزيون السوري». يخبرنا صاحب «نهاية سعيدة»: «كي أستطيع العمل، تخليت عن المجابهة المباشرة بأفكاري السياسية وضمّنتها في أعمالي». حقّقت مسلسلاته وأفلامه التلفزيونية نجاحات كبيرة، وجعلته واحداً من أهم المخرجين على الساحة الدرامية العربية، بفضل أعمال مثل «اختفاء رجل»، و«جريمة في الذاكرة»، و«القلاع»، و«معزوفة زوجية» وستة أجزاء من مسلسل «مرايا» لياسر العظمة صديقه القديم.
تزوج مأمون البني مرتين: الزواج الأول كان من سيدة فرنسية منتصف السبعينيات، أنجب منها ولدين، وانفصلا بعد ذلك لأنّها «لم تستطع التأقلم مع الحياة في سوريا». مطلع التسعينيات تزوّج الممثلة والمخرجة السوريّة واحة الراهب وأنجب منها ابنته ألمى.
اليوم، بعد نيل عمله «أيام الولدنة» خمس جوائز ذهبية، منها جائزة أفضل إخراج في «مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون»، يغيب اسم مأمون البني عن الساحة الدراميّة في سوريا. مُنع عرض مسلسله في بلاده، وعتم عليه إعلامياً. لكنّ الرجل قرر مجدداً أن يزهر في مكان آخر: «السفر خيار جيد دوماً. ما أنجزه في الخليج من أعمال قد لا يكون ضمن مشروعي، لكنه نتاج جيد». حال البني كحال جيل كامل من الروّاد المؤسسين للدراما السورية الذين أقصتهم شركات الإنتاج الكبيرة عن الساحة. تخرج هذه الكلمات منه متقطعة وقاسية: «نعم ابتعدت عن مشروعي، منذ صار المخرج ينادي المنتج المنفذ: يا معلم. أنا معلم في مهنتي وأكاديمي، لا أستطيع أن أنحني أمام سلطان المال».



5 تواريخ

1949
الولادة في دمشق

1975
ماجستير في الإخراج السينمائي والتلفزيوني من «جامعة باريس 8 / فانسان»، ودبلوم في التصوير السينمائي من معهد Louis Lumiere

1992
أخرج مسلسل «شبكة العنكبوت»

1996
رئيس دائرة المخرجين في التلفزيون
العربي السوري لفترة ثلاث سنوات

2010
أنجز مسلسل «غشمشم» الكوميدي
في الرياض، ويعمل على إحياء إنتاج مسلسل
«شفيق الطيب»