Strong>محمد محسن

رغم التجهيزات الجديدة في «كلية الطب في الجامعة اللبنانية»، لا يفارق منير أبوعسلي مكتبه القديم. هذا المكتب المتواضع رافق إنجازاته التربوية التي لا تبدأ بتأسيس كليّة الطب في الجامعة الوطنية، ولا تنتهي عند إعداد المناهج التربوية الجديدة بعد انتهاء الحرب الأهلية. تلمع على سترته قطعة معدنيّة صغيرة، تسأله عنها، فيجيبك بأنّها «وسام السعفة الأكاديمية»برتبة كوموندور، الوسام الأكاديمي الأرفع الذي تمنحه الجمهوريّة الفرنسيّة لجامعيين تركوا بصماتهم على المنجز الأكاديمي والمعرفي. يعيش البروفيسور مع زوجته، فيما ولداه مسافران في أميركا وإنكلترا ويراهما مرة في السنة... هذا كلّ ما تركه النضال الأكاديمي الطويل من مساحة للحديث عن حياته الخاصة. اسم أبوعسلي يحضر فوراً لدى الكلام على المنجزات التربويّة في لبنان.
قبل أن يصبح عميداً لكليّة الطب، كان من طلاب الجامعة اللبنانيّة المتفوقين الذين واكبوا نشأتها الأولى. في شبابه، ناضل إلى جانب ميشال سماحة وعصام خليفة لافتتاح كلياتها التطبيقية، يوم أقفلوا طريق المطار في أوائل السبعينيات. ولاحقاً، أسَّس كلية الطب بأقسامها الثلاثة، قسم الطب وقسم الصيدلة، وقسم طب الأسنان.
سهولة سرد منجزات الرجل الستيني، لا تشبه بشيء وعورة نضاله لتحقيق هذه المنجزات. تجده يشبّه معركة إعداده للمناهج جديدة بكدّه أيام الطفولة لتوفير عشر ليرات ثمناً لمريول أسود «لمِّيع». ابن الحلاق والخياطة، فخور بعائلته المتواضعة. في الشتاء، كان يستمتع بدور التلميذ الأول على صفّه في مدارس تركها لظروف مالية قاهرة. لم يعد إلى مقاعد الدراسة إلا بعد نصيحة زوجة أخيه الأكبر حين قالت: «أليس حراماً ألّا يكمل منير دراسته؟ هناك مدرسة رسمية فتحت في المنطقة». أمّا في الصيف، فكان طفلاً تحمّل المسؤولية باكراً. يساعد والده في عمله، يعطي دروساً خصوصية، ثمّ يخصص وقتاً لمساعدة والدته في مشغلها. مكانه في الطليعة كان سبب قلق دائم له. «يصعب أن يتخيّل أحدنا نفسه في المرتبة الثانية، حين يكون قد اعتاد الصدارة»، يقول.

في السبعينيات ناضل إلى جانب ميشال سماحة وعصام خليفة لافتتاح الكليات التطبيقية
كان يحلم بأن يصبح ضابطاً، لكنّه أحجم عن ذلك بعدما مرّ بتدريب عسكري في بيت الدين كان يخضع له طلاب الثانويات. فكّر في الطب، لكن وضعه المادي كان في العناية الفائقة، وكانت الجامعات الخاصة كاليسوعية والأميركية تحتكر تدريس هذا الاختصاص. لكن بمساعدة «أبرشية الروم الأرثوذكس»، استطاع الحصول على منحة دراسية في الاتحاد السوفياتي، لكنّها لم تكن على مستوى طموحاته، فتوجّه إلى «الجامعة اللبنانية». هناك، درس الكيمياء وتفوق فيها. تعرّف إلى زوجته الأكاديمية دلال بركات، خلال الانتخابات الطالبية عام 1969، يوم كان مرشحاً مدعوماً من «حركة الوعي». بعد خمسة أشهر، خطب الشابان، وانتظرا نيل الإجازة لدخول القفص الذهبي عام 1971.
أمضى الزوجان شهر عسلهما في «جامعة ليون»! بعد ثلاثة أيام على قرانهما، اتصل بهما «المجلس الوطني للأبحاث العلمية»، مقترحاً تقديم منحة لمنير لإكمال دراساته العليا في فرنسا. عاش مع زوجته حياة متواضعة، «كنا نعيش بمال المنحة القليل، لكن العيش كان جميلاً»، كما يقول.
في عام 1975، عاد إلى لبنان تحت أزيز الحرب بعدما نال الدكتوراه من كليّات فرنسا. وعندما طُلب منه تأسيس قسم جديد للكيمياء في «الجامعة اللبنانية» يكون تحت إدارته، استأجر منزلاً في منطقة الحازمية لهذا الغرض. لكنَّ الحرب أبعدته عامين جديدين عن لبنان، قضاهما يدرّس في فرنسا. عاد إلى كلية العلوم بفرعها الثاني في منطقة المنصورية، لكنّه أدرك مع زملائه من الأساتذة كم كان وضع الكليّة سيّئاً. هكذا، ناضل معهم لإنشاء كلية تليق بالطلاب، منذ تقلّد منصب إدارتها مطلع الثمانينيات. أولى الخطوات كانت استثماره لعلاقته بوزير الزراعة آنذاك جوزيف سكاف، بهدف توسيع مساحة العقار الذي خصّصته وزارة الزراعة لإنشاء كلية للعلوم في منطقة الفنار من ثمانية آلاف متر مربع إلى 36 ألفاً. جرّب الطلاب من مستغلي النفوذ الميليشياوي حينها إجهاض ذلك الإنجاز، لكنّ أبو عسلي قلب الطاولة فوق رؤوس الجميع: «منعت عمل الخلايا الحزبية في الكليّة» يقول.
لاحقاً، بعد سعي طلاب في الجامعة الأنطونيّة، وطلاب آخرين من ذوي الدخل المحدود إلى إنشاء كلية طب، جاهد أبو عسلي مع أساتذة في الجامعة اللبنانية ليبصر المشروع النور، فصدر مرسوم تأسيسها عام 1983. يوم تسلّم أبو عسلي عمادة الكليّة الفتيّة عام 1984، كانت تفتقر إلى التجهيزات وحتّى إلى مبنى يؤوي طلابها. جلب أبو عسلي تجهيزات متطورة بمجهود شخصي، ورفض كل التدخلات السياسية لإنجاح طلاب فاشلين.
جاهد مع زملائه لتأسيس كليّة طب في الجامعة اللبنانيّة، فأبصر المشروع النور عام 1983
أراد «جعل المؤسسات الرسمية أفضل من الخاصة»، كما يقول. هكذا، سافر إلى فرنسا وتعاقد مع بعض جامعاتها لمصلحة طلاّب «اللبنانية» الفقراء، وصار يرسل كل سنة أكثر من 12 طالباً إلى فرنسا لإكمال دراستهم. في عام 1994، انتقل إلى رئاسة «المركز التربوي للبحوث والإنماء» من دون تحقيق حلمه بإنشاء مستشفيين جامعيين في بعبدا وبئر حسن. استقبله المركز بحلّة مهترئة تُشبه أسمال مؤسسات الدولة الخارجة من حرب ضروس. ولأنّ «المهمة في المركز أصعب من تأسيس كلية الطب»، تنحّت المشاكسة لمصلحة البراغماتية. جمع رؤساء المجلس الثلاثة في أكبر حفلة تربوية شهدها لبنان، لإطلاق المنهجية الجديدة، واتفق مع ممثليهم على اعتبار اتفاق الطائف مرجعيةً وطنية للمناهج. ألّف لجاناً، واستشار أصحاب الخبرة في كل شاردة وواردة، وبعد وضع الهيكليات والأسس، بدأ بالإشراف على مرحلة تأليف الكتب. وهنا كانت المهمة الأصعب. سلّم كل مادةٍ لمختصين، وتسلم «المواد المشتعلة» كالتاريخ، والتربية، واللغة العربية، والفلسفة، والجغرافيا. عرض المناهج على أكثر من 100 مؤسسة تربوية، مسترشداً بالتجارب الفرنسية والكورية والأردنية وغيرها. وصل ليله بنهاره في المركز، لاحق الكتب كأنّها من صلبه. استمر العمل المضني حتى أكمل بناء المناهج الجديدة عام 1999. لكنّه، لم يكن يعلم أنّ أوحال السياسة اللبنانية ستعزله من منصبه من دون علمه. هكذا، سمع نبأ استقالته من الراديو، بعد نصف ساعة من اتفاقه مع مندوبي الأطراف السياسيّة على كتاب تاريخ موحد للبنان. بالمناسبة، لا رابط بين الحدثين، لأنّ الإقالة جاءت ضمن عجقة التعيينات الإداريّة، والتجاذبات السياسيّة التي ترافقها عادةً. لكنَّ التوقيت السيئ أفضى إلى نتيجة واحدة: إجهاض حلم الأكاديمي العريق برؤية كتاب تاريخ واحد... بعد سنتين، ربح في شكواه أمام مجلس شورى الدولة وعاد إلى كلية الطب أستاذاً محاضراً. كان قد استغلّ الوقت المستقطع لنيل شهادة الماجستير في إدارة الأعمال. الأستاذ الجامعي المحبوب من طلابه، بقي يزرع فيهم الثقة بالنفس. رغم كلِّ الانقسامات في لبنان، يقول لهم: «أنتم لا تنتمون إلى أي جهة، لقد وصلتم إلى الكلية بمجهودكم وتعبكم فقط».


5 تواريخ

1947
الولادة في زحلة (لبنان)

1975
نال الدكتوراه في الكيمياء من «جامعة ليون» في فرنسا

1984
أسّس كلية العلوم الطبية في الجامعة اللبنانيّة وتسلم عمادتها. بعد عقد كامل ترأس «المركز التربوي للبحوث والإنماء»، وأشرف على إعداد المناهج الجديدة التي أنجزها عام 1999

2004
قُلِّد «وسام السعفة الأكاديمية» الفرنسي برتبة كوموندور

2010
يعكف على كتابة مذكراته