حفر جنود الجيش اللبناني في الأرض، طوال الليل، بحثاً عن رفات شركائهم في الدفاع عن الأرض بوجه الجيش الإسرائيلي. انتشلوا الشهداء، رافعين أجسادهم على الأكتاف تمهيداً لتسليمهم إلى قيادتهم وذويهم وأحبّائهم بعدما طال غيابهم في رحلة التصدّي والصمود التي قد تتكرّر قريباً


البقاع ــ عفيف دياب، أسامة القادري
من المقرر أن يواصل الجيش اللبناني البحث عن جثث أخرى مدفونة في سهل خربة روحا ـــــ مدوخا في قضاء راشيا بعد العثور ليل أول من أمس، وأمس، على بقايا رفات تعود إلى جنود في الجيش السوري استشهدوا خلال مواجهتهم الاجتياح الإسرائيلي للمنطقة المتاخمة للحدود السورية صيف 1982، حيث جرت معركة عنيفة بين الطرفين استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة، وصولاً إلى الالتحام بالسلاح الأبيض وغارات طيران متبادلة. ورجّحت مصادر أمنية لبنانية مواكبة لعملية العثور على بقايا جنود سوريين وجود أكثر من جثة شهيد سوري في المنطقة التي انسحب منها الجيش السوري إثر سقوطها بيد الاحتلال الإسرائيلي في حزيران 1982 وعاد إلى الانتشار فيها بعد عام 1985 حيث لم يجر الجيش السوري عمليات بحث عن جنوده المفقودين أو الذين دفنهم سكان محليون في المنطقة.
وأضافت المصادر الأمنيّة لـ«الأخبار» أن المواقع العسكريّة السورية في تلك المنطقة تعرضت لأكثر من غارة جوية إسرائيلية و«كان هناك للجيش السوري 3 مواقع عسكرية مدعمة بالدبابات، وقد تعرضت هذه المواقع لغارات جوية إسرائيلية عنيفة، ومن المرجح بالتالي وجود جثث أخرى للجيش السوري نأمل العثور عليها وتسليمها لذويهم»، موضحة أن «الجيش اللبناني أبلغ الجانب السوري بما تمّ العثور عليه، ولا علم عندنا ما إذا كان سيحضر وفد عسكري سوري للمساعدة في البحث عن بقايا رفات لجنوده، أو توفد السفارة السورية من يستطلع الأمر والمنطقة»، آملاً من الجانب العسكري السوري تأمين «معلومات عن خريطة انتشاره صيف 1982 في منطقة خربة روحا وسهل مدوخا للمساعدة في عمليات البحث، وتقديم لوائح اسمية بشهداء سقطوا ولم يعثر بعد على جثثهم».

العثور على الشهداء

وكان المواطن اللبناني عبد الغني علي البقاعي (48 عاماً) من بلدة مدوخا يقوم أول من أمس باستصلاح قطعة أرض عائدة له في خراج بلدته، حيث عثر على بقايا عظام مطمورة وخوذ حديدية عسكرية. وعلى الفور، أبلغ البقاعي قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني الذي عمل طوال ليل أول من أمس على رفع رفات الجثث التي نقلت (أمس) من المنطقة إلى بيروت، بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر الذي منع استخدام حفارة خلال البحث عن بقايا جثث، مطالباً باستخدام الحفر اليدوي حتى لا تتضرّر الجثث المكتشفة، أو في حال اكتشاف جثث أخرى. ولفت القاضي صقر في تصريح مقتضب له خلال إشرافه على أعمال البحث والتنقيب إلى وجود : «إشارات تدل على أن بقايا الرفات تعود إلى جنود من الجيش السوري»، رافضاً حسم الأمر نهائيّاً لأن «هنالك إشارات أخرى لم نستطع حسمها حتى الآن»، داعياً إلى العمل بهدوء.

طلب من السوريين تأمين خرائط ولوائح بأسماء الشهداء للمساعدة في عمليات البحث
وقال مصدر أمني لبناني لـ«الأخبار» إنه جرى التعرف على هوية أحد الجنود السوريين الشهداء ويدعى بدر كنجو العلي من محافظة حمص (مواليد 1964) حيث عثر في بقايا ثيابه العسكرية على بطاقته العسكرية الصادرة عن الجمهورية العربية السورية ـــــ وزارة الدفاع ـــــ القوات المسلحة، إضافة إلى بقايا خوذة حديدية وطلقات ناريه. كذلك عثر على رفات جثة أخرى لم تعرف هوية صاحبها، إضافة إلى خوذتين أخريين وبعض الأعتدة العسكرية الأخرى، ومنها أحزمة عسكرية وأقنعة واقية من الأسلحة الكيميائية والجرثومية. وقد أظهر الكشف الأولي أن الخوذ الثلاث مهشّمة ومصابة بشظايا قذائف، كما تبيّن أن في جمجمتي الرأس شظايا عديدة قد تكون سبب الوفاة. وأشار مصدر أشرف على عمليات التنقيب والكشف على الجثث أن الشخص الثاني (مجهول الهوية) في العقد الرابع من عمره، وعثر على بقايا ثيابه العسكرية، حيث وضعت الجثتان في كيسي نايلون بعد أخذ العيّنات المطلوبة طبياً من الأضراس وعظمتي الفخذ والساعدين الأيمن والأيسر.
وكانت فرق من الجيش اللبناني ومديرية الاستخبارات وقوى الأمن الداخلي وأجهزة أمنية رسمية أخرى، وفريق هندسي متخصص في إزالة الألغام وكشفها، وأخرى من الأدلة الجنائية وطبيب شرعي قد أشرفوا وعملوا على أعمال البحث والتنقيب التي استمرت طوال يوم أمس، على أن تستكمل في أوقات أخرى. وقال متابعون إن بقايا الرفات التي عثر عليها تعود لعسكريين قتلوا منذ أكثر من 28 سنة، و«ننتظر نتائج التحقيق الرسمي، الأمني والقضائي لوضع تقرير بما عثر عليه. ويجب إبلاغ الجانب السوري وفق الأطر الرسمية المعمول بها بين البلدين». وأضافوا إن القضاء المختص «وضع يده على الملف وأعطى إشارته القضائية للجيش اللبناني للعمل وفق القوانين المرعية الإجراء. وقد أبلغ صاحب الأرض بوجوب التوقف عن العمل حتى إنجاز المهمة».
وكان الجيش اللبناني، الذي يشرف على التنقيب والبحث عن بقايا جثث يعتقد بوجودها مطمورة في منطقة سهل مدوخا، ويرجح وجود أخرى في مناطق قريبة شهدت معارك عسكرية قاسية وعنيفة بين الجيشين السوري والإسرائيلي وأحزاب من الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، قد أعلن بصورة غير رسمية مكان العثور على الجثث في منطقة عسكرية يحظر على المدنيين دخولها أو الاقتراب منها. وعلمت «الأخبار» أن الجيش عثر على بقايا عظام بشرية لا تعود إلى الرفات المكتشفة. وقالت المعلومات إن «هناك خيوطاً تشير إلى وجود أكثر من جثة، ولا سيما أن المنطقة الممتدة من بلدة الرفيد جنوباً، مروراً بخربة روحا وسهلي البيرة ومدوخا، وصولاً إلى منطقة الفالوج وبيادر العدس والسلطان يعقوب وعيتا الفخار، قد شهدت أعنف المعارك العسكرية خلال الغزو الإسرائيلي للمنطقة صيف 1982، عدا عن وجود مواقع فلسطينية أخرى كانت تشهد بين الحين والآخر أعمال تصفية جسدية نتيجة خلافات داخلية». وأضافت المعلومات أن «من الطبيعي استمرار البحث عن جثث إضافية يرجح أنها للجيش السوري».


يوم اكتُشفت جثة كوليت

في تشرين الثاني الماضي، أُعلن رسمياً العثور على جثة الصحافي البريطاني أليك كوليت في عيتا الفخار ـــــ البقاع الغربي. وكان قد عُثر في ذلك الموقع على جثتين، عُرفت هوية صاحب إحداهما، فيما لم يُعمَل على كشف هوية صاحب الجثة الأخرى، رغم وجود آلاف المخطوفين والمفقودين خلال الحرب الأهلية. الموقع الذي وُجدت فيه الجثة كان موقعاً سابقاً لتنظيم حركة فتح ـــــ المجلس الثوري، ويقع تحديداً في أطراف بلدة عيتا الفخار الشرقية.
كان فريق بريطاني مؤلّف من 11 خبيراً قد كشف على الموقع والجثّة، وأُرسلت عيّنة منها إلى مختبرات بريطانيا لتحليل الحمض النووي، وبعد الفحوص جرى التأكّد من أنها عائدة إلى الصحافي الذي دُفن قبل 23 عاماً في المنطقة. وكان مسؤول أمني قد أعلن أن التحقيقات أو الأدلّة الأوّلية بيّنت أن «كوليت تعرّض لتعذيب قاسٍ وعنيف قبل إعدامه»، وأوضح أن «بقايا الثياب التي كان يلبسها لحظة إعدامه، والتي تظهر في صورة فوتوغرافية وفيلم فيديو، خلال إعدامه شنقاً، تعطي دليلاً ساطعاً على أن الجثة تعود إلى أليك كوليت، الذي كان يلبس قميصاً مرقّطاً».