لم تتحسن النظرة إلى حوالى 300 ألف عامل سوري في لبنان بعد 5 سنوات على انسحاب الجيش السوري، واليوم، وبرغم استعادة أمنهم الشخصي، إلا أن الظروف المهنية المزرية لهؤلاء لا تزال طاغية في تحديد نظرة الناس إليهم، فيما يدفعهم غلاء المعيشة للمجيء بأعداد أقل


آمال خليل
أكملت هيفاء (11 عاماً) سنتها الثالثة من الإقامة في منطقة العاقبية (قضاء الزهراني) بعيداً عن بلدتها السورية. هنا بين خيم النايلون والبيت غير المنجز الذي استوطنه عشرات العمال من بني وطنها، وحوّلوه إلى مكان قابل للسكن، تعيش الفتاة يوماً بيوم من دون طموح يذكر. إلا أن الأمل الأكثر حضوراً في بالها هو إمكانية الانتقال للسكن في ظروف أفضل. فالبيت المذكور صار قابلاً للسكن بعد سد نوافذه وأبوابه بالنايلون أو بقطع خشبية، وتبليط أرضه بقماش أو حصيرة بدلاً من الباطون. صيانة لم تلحظ مقاومة عوامل المناخ الذي يكون قاسياً في برده وقيظه والرطوبة الدائمة.
إذاً، بين حبال الغسيل المثقلة بثياب مستهلكة وأكوام النفايات التي لا يقربها عمال البلدية، وقرب زريبة الماشية وبمحاذاة الأوتوستراد السريع، تكبر الفتاة السمراء التي تغرق عيناها العسليتان في فقر مدقع. لا غرفة خاصة بها، إذ تنام وتبدل ثيابها وتحيا في خمسة أمتار تمثّل مساحة خيمة النايلون، مع شقيقيها ووالديها. وإذا اضطرت للاستحمام أو لدخول المرحاض، فلها السير أمتاراً عدة لاستخدام «دورة مياه» من الصفيح استحدثت لهذه الغاية بالقرب من المنزل. باكراً، جعلت الغربة اللبنانية منها سيدة الخيمة وحمّلتها مسؤولية الاعتناء بشقيقيها الصغيرين وأبيها العاجز وتدبير شؤون «المنزل». فوالدتها تغيب يومياً للعمل في الخيم الزراعية وفي تنظيف البيوت. ومن يدري، قد تتحول بدورها أيضاً إلى عاملة في أي يوم إذا ما دعت الحاجة المادية.
إلى بلدها الأم، ينتظر رجوع الأسرة باقي إخوتها الأربعة المودعين في كنف جدتهم التي «وعدت بأن ترسلهم إلى المدرسة» التي حرمت هيفاء منها من الصف الأول الابتدائي لتأتي إلى لبنان.
جارتها نور (22 عاماً) سبقتها قبل 10سنوات إلى التسرب المدرسي ثم القدوم مع عائلتها للعمل أجيرةً في الخيم الزراعية. بضحكة تنم عن سخرية عميقة، تجيب عن سؤال بشأن طموحها. فالحديث عن فرصة لإكمال دراستها لا يمثّل بالنسبة لها أكثر من نكتة سمجة.
أما أيمن (25 عاماً) فلا يجد نهاية للمصير الذي أجبر على اختياره قبل 7 سنوات. فالشاب يحلم بالعودة نهائياً إلى بلده بدون الاضطرار للعمل هنا بانتظار فرصة عمل هناك. فارتفاع نسب الفقر والبطالة في سوريا دفعه مع أشقائه إلى المجيء إلى لبنان وتحمل أوزار العيش في ظروف مزرية في السكن والطعام والعمل. إلهام (30 عاماً) لم تردعها لدغة الأفعى التي أصابتها في اليوم الثالث لمجيئها إلى العدوسية للعمل في الزراعة أو اندلاع عدوان عناقيد الغضب في اليوم العاشر، عن العودة مجدداً. تقول الشابة التي تحلم بتأسيس أسرة إن السبب «وراء مجيئي مع شقيقتي هو الفقر». إلا أن بقاءها في لبنان 14 عاماً وجني أموال «مقبولة» كما تصفها «وفّر لشقيقاتها الثلاث الأخريات متابعة دراستهن وتحقيق ما حرمت منه».
يتحدث أيمن عن تبدل جذري في أحوالهم كعمال سوريين. برأيه، الفرق كبير قبل عام 2005 وبعده. فقد «أثار اغتيال الرئيس رفيق الحريري ضدنا نقمة كبيرة وصلت إلى حد محاولة قتلنا وتهجيرنا قبل عودة الهدوء بين السياسيين الذي ينعكس علينا». ففي مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات، لم يكن حي «التخشيبة أو النايلون» الواقع خلف الورش الصناعية في العاقبية كما هو عليه الآن. فالحقن والتوتر الذي ساد حينها، هجّر مئات العاملات والعمال السوريين الذين يتكدسون مع بعض عائلاتهم في «تخشيبات» أو بيوت من الصفيح أو النايلون. السكون الذي خيم لأشهر على المكان إثر عودة العمال إلى سوريا هرباً من الاعتداءات ضدهم، انسحب على الورش التجارية والصناعية والزراعية المحيطة. إذ إن أصحاب البساتين والخيم الزراعية والبنائين وورش صناعة الحجارة والتنظيفات في المنطقة كانوا يعتمدون على اليد العاملة السورية، فيما يكون رب العمل اللبناني الوحيد في معظم الأحيان.
وبالرغم من أن المنطقة محسوبة في معظمها على حلفاء سوريا، إلا أن ذلك لم يق العمال شر الاعتداءات العنصرية ضدهم. فالمخيم تعرّض للحرق مرتين بفعل فاعل مجهول حتى الساعة. كما أن العشرات الذين تعرّضوا للضرب والاعتداءات في الشارع لم يستطيعوا تحصيل حقهم القانوني باللجوء إلى مخفر الدرك المجاور. فيما تعرّض صديق لهم كان يعمل فراناً في صيدا للضرب وشرم أذنه في اليوم التالي لاغتيال الحريري، فذهب إلى سوريا ولم يعد.
أما انسحاب الجيش السوري نهائياً من لبنان، فقد «كسر ظهرنا» يقول أيمن كمن يشعر باليتم والغربة، مشيراً إلى أن وجوده سابقاً «مثّل مصدر قوة لنا وجذب الكثيرين منا للمجيء إلى هنا كأننا لم نغادر سوريا». حتى أن شقيقه الذي عايش وجود السوريين في الرميلة قبل إعادة انتشارهم يحن للأيام الخوالي «حين كنا نجد من نشتكي إليه كل من يزعجنا». ولكن تدريجياً، استعاد السوريون والسوريات موقعهم المعتاد في المنطقة وإن بأعداد أقل كما يقول البعض. ومجدداً إلى البرنامج اليومي: منذ الفجر إلى ساعات المساء، في الورش والخيم والبساتين، ثم يتجمعون أمام باب إحدى الخيم لشرب الشاي أو «يكزدرون» في المحيط. وفي الصيف، يصبح البحر القريب ملاذهم اليومي. إلا أن الخوف والحذر لا يزالان يسكنان نفوسهم من تجدد تصاعد النقمة والعنصرية ضدهم. خوف دفع بأيمن إلى اتهامنا بانتمائنا إلى الاستخبارات السورية(!!) لا إلى وسيلة إعلامية، كما دفع بشقيق نور الأكبر إلى توبيخها لحديثها إلينا، وبكل من صرّح بالطلب بعدم ذكر اسمه.



تبدل النظرة؟