بين بلدتَي دير انطار والسلطانية خلاف على ترسيم خط. مرة رُسم بالأزرق، وأخرى بالأصفر، وتارة بالأخضر. هو خط يختصر مأساة أعمال المسح الإجباري التي تجري في الجنوب بعدما تأخرت منذ زمن الاستقلال


بسام القنطار
حتى اللحظة، لم تنجح المساعي لإيجاد حل ودي للنزاع العقاري الذي نشب بين بلدتي دير انطار والسلطانية على خلفية إثبات حدود النطاق العقاري بينهما، وتثبيت ملكية عدد من العقارات، التي يبدو أن مصيرها سيتقرر في حال نجاح هذا الطرف أو ذاك في تثبيت النطاق العقاري بين البلدتين لمصلحته.
وقد علمت «الأخبار» أن كلاً من حزب الله وحركة أمل دخلا على خط المصالحة، وتوصلت لجنة أُلفت لهذه الغاية إلى صوغ مسودة اتفاق تنص على تعهد الفريقين أن يشطب كلاهما جميع الإشارات على العقارات خارج المناطق المتنازع عليها من أي نوع كانت ومن أي جهة صدرت. وينص الاتفاق على قبول الطرفين بتأليف هيئة تحكيمية خاصة ذات صلاحيات مطلقة وتكليف مكتب أو مكاتب فنية عدة ذات خبرة في علم المساحة لتحديد النطاق العقاري بين البلدتين.
وما زال هذا الاتفاق، بحسب معلومات وردت لـ«الأخبار»، مطروحاً للتوقيع، لكن رئيس بلدية دير انطار، قاسم حجيج، يصر على أن يكون الفريق الأول بلدية دير انطار والفريق الثاني بلدية السلطانية، فيما تصر الأخيرة على أن يكون الفريق الأول مكوناً من بلدية دير انطار وشركة «واف» العقارية التي يملكها حجيج مجتمعين ومتلازمين، ما يعني إدخال مسألة الملكية الخاصة أيضاً في تسوية النزاع. وهذا أدى إلى تأجيل عملية التوقيع على الاتفاق لمرات عدة.
آخر المحاولات كانت قبل أسبوع، حين دخلت جهات عدة في الصلحة. وينص الاتفاق على إبعاد شركة «واف العقارية» عن الاتفاق، مقابل تنازلها عن ملكية جميع العقارات التي كان القاضي العقاري قد حددها ضمن النطاق البلدي لبلدة السلطانية، على أن تُعلَن محمية طبيعية تستفيد منها البلدتان على حد سواء. ويبدو أن حجيج لم يتخذ قراره النهائي في هذ الخصوص، علماً بأنه سبق أن أعلن لأكثر من جهة قبوله بهذا العرض.
وكان القاضي العقاري في النبطية قد أصدر عام 2008 قراراً قضى باعتماد الفواصل الطبيعية أساساً لتحديد النطاق العقاري لكلتا البلدتين. ورغم اتفاق الطرفين على المبدأ الذي اعتمده القرار القضائي، إلا أنهما يختلفان في صحة التطبيق لجهة تطابق الخريطة المرفقة بالحكم مع مضمونه. إلا أن الخلاف ليس على النطاق العقاري لكلتا البلدتين فحسب، بل على الأساس القانوني لتملك أشخاص معنويين وطبيعيين للعقارات موضوع النزاع وعلى رأسهم شركة «واف العقارية».
وتبين خريطة تحديد النطاق العقاري بين بلدتي دير انطار والسلطانية التي حصلت «الأخبار» على نسخة منها أن أعمال تحديد النطاق العقاري في موقع «بيت الدوارة ـــــ عرض الدباب» خلصت إلى رسم أربعة حدود عقارية وُضعت في أوقات متباعدة.
الخط الأول وضعه المساح العقاري سمير محمودي المكلف أعمال التحديد والتحرير الفنية من بلدة دير انطار. وبحسب بلدية السلطانية، فإن هذا الخط اقتطع نحو ٢٤٠ دونماً من نطاقها العقاري وضمها إلى دير انطار. إلا أن اللافت ليس تحديد النطاق العقاري فقط، بل تحديد ملكية هذه العقارات حيث قيد العديد منها ضمن ملكية شركة «واف العقارية». إضافة إلى عقار كبير قيد باسم مشاع بلدة دير انطار. وقد اعترضت بلدية السلطانية على حدود النطاق العقاري، وعلى قيد الملكية للعديد من العقارات، بينها عقارات لمصلحة شركة «واف» في مواقع حدودية عدة بين البلدتين.
وأثناء جلسات الاستماع التي أجرتها المحكمة العقارية برئاسة القاضي الياس عساف، كُلف المسّاح علي شكرون القيام بأعمال المسح والتحديد، وقد جاء في خلاصة حكم القاضي أن «الحدود العقارية بين البلدتين توضع بالاتفاق بين هاتين البلدتين، وإلا في حال الخلاف تعتمد الوثائق والمستندات، وفي حال عدم وجودها توضع الحدود باعتماد الفواصل الطبيعية بينهما». وأوضح القرار في متنه أن مجاري المياه والوديان ورؤوس الجبال هي من الفواصل الطبيعية.
وتضمن القرار أيضاً رفض طلب الطرفين عدم إدخال الدولة اللبنانية طرفاً في النزاع على العقار الرقم ٢٢٦٠ الذي قيد خلال أعمال المسح في دير انطار باعتباره مشاعاً للبلدة، فيما تقول السلطانية إنه من ضمن مشاعاتها، إلا أن القاضي، بالاستناد إلى القرار الرقم ٥٨٣ الصادر عام ٢٠٠٤، قرر إدخال الدولة اللبنانية طرفاً في النزاع، وقد طلبت الدولة اعتبار العقار المذكور من المشاعات التابعة لها، وليس ملكاً لأي من البلدتين، وذلك نظراً لطبيعته الصخرية والمنحدرة.
وللمفارقة، فإن الخط الجديد الذي رسمه المساح علي شكرون، جوبه باعتراض شديد من جانب بلدية السلطانية لجهة عدم الأخذ بالفواصل الطبيعية أساساً لتحديد النطاق العقاري. وقد تقدّمت البلدية بطلب للمدير العام للشؤون العقارية، بشارة قرقفي، تطلب فيه تكليف فرقة مساحة للتأكد من الخط الذي وضعه المسّاح علي شكرون، وتقدمت بدعوى جزائية على هذا الأخير. وبناءً على هذا الطلب، كلف قرقفي رئيس دائرة المساحة في النبطية علي وهبه التحقق. وقد قام وهبي بتنظيم خريطة جديدة، وحدد فيها الخط الحدودي بين البلدتين باللون الأخضر، الذي كان مختلفاً بدوره عن خطي شكرون ومحمودي، ثم رفعها إلى قرقفي عبر وثيقة إحالة.


اتفاق مبدئي ينص على تأليف هيئة تحكيمية ذات صلاحيات مطلقة
ويبين الخط الأخضر الذي وضعه وهبي أن العديد من العقارات وأجزاء العقارات الممسوحة لمصلحة شركة واف، قد أصبحت ضمن النطاق البلدي لبلدة السلطانية. ورأى أهالي البلدة أن هذا الخط الجديد انتصار لهم، لأن شركة «واف» أصبحت تحتاج إلى أن تثبت لدى بلدية السلطانية الأساس القانوني الذي أدى إلى تملكها لهذه العقارات. إلا أن المفاجأة كانت أن القاضي عساف رفض الاعتداد بالخريطة الجديدة، معللاً ذلك بأن المحكمة قد رفعت يدها عن الدعوى ولم يعد يحق لها اتخاذ أي إجراء بهذا الموضوع، وأن محكمة الاستئناف أصبحت هي الجهة الصالحة للنظر في تثبيت النطاق العقاري للبلدتين.
في هذه الأثناء بدأت أعمال المساحة الإجبارية في بلدة السلطانية، وكلفت بها لجنة فنية برئاسة المسّاح علي غبريس. وقد جوبهت الخرائط التي وضعتها هذه اللجنة باعتراض من بلدية دير انطار، كذلك تقدمت الأخيرة أيضاً بدعوى جزائية على أعضاء اللجنة وعلى دائرة المساحة في النبطية، ووجهت لها اتهامات بالتزوير ومخالفة قرارات قضائية.
وفي مقابلة أجرتها «الأخبار» مع حجيج، ردّ على جميع الاتهامات التي وجهت له، مشيراً إلى أن هذا الملف يُحرّك بخلفية سياسية ضده. وأكد حجيج أنه يلتزم القرار الذي سيصدر عن محكمة الاستئناف، معدداً المخالفات التي جرت أثناء أعمال المسح التي جرت في السلطانية، التي يملك فيها أيضاً عدداً كبيراً من العقارات.
في المقابل، يرى رئيس بلدية السلطانية، مصطفى فخر الدين، أن النزاع لم يكن يوماً بين بلدتي السلطانية ودير انطار، بل بين السلطانية وشركة «واف»، التي لن تستطيع إثبات ملكيتها للعقارات موضوع النزاع، كما قال.


أعمال التحديد والتحرير

تقوم بأعمال التحديد والتحرير لجنة فنية رسمية تكلفها مديرية الشؤون العقارية وتمارس عملها بإشراف القاضي العقاري بحضور مخاتير البلدة. واللافت أن المجالس البلدية لا يكون لها دور في هذه العملية.
أول الأعمال التي تقوم بها لجنة التحديد والتحرير هو وضع النطاق العقاري للبلدة. ومن المشاكل التي تواجهها اللجنة تحديد النوع الشرعي للعقار المنوي مسحه، الذي غالباً ما يكون ملكاً توارثه الأب عن الجد، لكنه لا يخضع لشروط الملكية التي حددها القانون لكونه لا يقع ضمن نطاق البلدة الإداري كما كان حين صدور قانون الملكية، أي في عام 1930. وغالباً ما تُثبت الملكية من طريق «وضع اليد الهادئ والعلني والمستمر دون منازع لمدة تفوق الزمن المكتسب بإفادة المختار والحاضرين». وبذلك يكون خاتم المختار هو المثبت للملكية، في حال عدم تقديم أي طرف لاعتراض ضمن المهلة القانونية. ويمكن المدقق، في كثير من محاضر التحديد والتحرير في القرى الجنوبية، ملاحظة عدد كبير من المخالفات التي نشأت عنها نزاعات قضائية.