عمر نشابة

إن البحث في التجسّس والتنصّت على الأفراد والمؤسسات الرسمية والخاصة يفترض التدقيق في الوقائع الآتية:
1 ـــــ أجهزة استخبارات أجنبية وعربية تخترق بعض مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وكان القضاء قد أوقف عدداً من الضباط في الجيش بعد الاشتباه في تجسّسهم لمصلحة مؤسسات إسرائيلية. وهذا أمر طبيعي يحدث في الحروب بين جيشين متواجهين. لكن هناك منهجية مختلفة قد تعتمدها الاستخبارات الإسرائيلية، ترتكز على التجسّس بواسطة أشخاص يعملون لمصلحة جهاز استخبارات محلي أو قسم يعمل ضمن هيكليته. ولا يخفى على الإسرائيليين أن أبرز «الإنجازات» التي حقّقتها الاستخبارات في الدول العربية يتعلّق بالتجسّس الداخلي، أي تجسّس الأجهزة بعضها على بعض وعلى مؤسسات الدولة التي يفترض أن تخضع لها الاستخبارات. وبالتالي قد يكون الضباط والرتباء والعسكريون في مديرية الاستخبارات في الجيش وفي فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي وفي المديرية العامة للأمن العام والمخبرون المتعاونون معهم منذ مدّة طويلة في عين المجنّد الاستخباري الإسرائيلي أكثر من غيرهم، (وخصوصاً أن جهاز أمن المقاومة يجعل تجنيد جواسيس من صفوفها شديد الصعوبة بفضل السرّية المطلقة والانضباط الصارم والكفاءة المتطوّرة).
2 ـــــ إن وسائل التجسّس لا تقتصر على الاتصالات التقنية (تليفون وفاكس وإنترنت)، بل تشمل الاطّلاع على المستندات الرسمية السرّية، بما فيها محاضر الاجتماعات العسكرية والأمنية والتحقيقات القضائية والتقارير المرفوعة للقيادات عن الحوادث والأشخاص وعمل المؤسسات وهيكليتها. كذلك تشمل وسائل التجسّس الاطلاع المستمر على الصور التي تلتقطها الكاميرات المنتشرة في مختلف طرقات العاصمة بيروت وسائر المناطق. ويشغّل بعض تلك الكاميرات تشغيلاً غير شرعي أمنيون وعسكريون بحجة الحماية والحفاظ عل الأمن. أما البعض الآخر فيعود للشركات الخاصة.
3 ـــــ إن تشغيل وسائل التجسّس لا يحتاج إلى إذن مسبق من رئيس أو وزير أو مدير أو ضابط. لا بل إن الاستئذان للتجسّس يلغي غايته عبر إعلام الجهة المستهدفة أنها ستتعرّض للتجسّس. إن تنصّت الاستخبارات الأميركية على اتصالات الهواتف المحمولة مثلاً أو الإنترنت يجري من خلال التقاط ذبذبات الموجات الصوتية عن بعد، أي من خارج الأراضي اللبنانية، ولا يمكن أن ينفع أي إجراء تقني للحماية قد تلجأ إليه وزارة الاتصالات. أما المرصد الاستخباري البريطاني في قبرص وسفن التجسّس الإسرائيلية، فيعملان على مدار الساعة ويمكنهما التقاط حتى ذبذبات الموجات القصيرة.
وبالتالي، فإن أربع وسائل أساسية يمكن أن تُسهم في مكافحة التجسّس، هي:
1 ـــــ البحث عن مصادر التجسّس عبر تزويد معلومات تفصيلية مغلوطة تدفع الاستخبارات إلى التحرّك في اتجاه معيّن أو بطريقة معيّنة تكشف فيها حقيقة ضلوعها في التجسّس. وانطلاقاً من ذلك إطلاق عملية البحث التدريجي عن جميع العاملين في قاعدة الهرم من دون الانتقال إلى الدرجة الأعلى، إذ إن الأنظمة الاستخبارية المتطوّرة تتميز بنظام إخفاء المخبرين بعد انكشاف مشغّلهم وإعادة تجنيدهم في شبكة أخرى. فقيمة هؤلاء بالنسبة إلى القيادة الاستخبارية الإسرائيلية أكبر من قيمة المشغّل. أما الأسلوب الكلاسيكي الذي تعتمده بعض الأجهزة الاستخبارية اللبنانية فيعتمد على خرافة القبض على «رأس الأفعى»، غير مدركة أن الاستخبارات المتطوّرة هي أشبه بالنمل.
2 ـــــ عدم القبض على المشتبه فيهم بالتجسّس، وخصوصاً الضباط منهم، بل تكليفهم مهمات مكافحة التجسّس وإعطاؤهم انطباعاً عن ثقة القيادة المطلقة بهم. ولا ضرر في الترقية وبإبعاد ضباط آخرين عنهم بناءً على طلبهم وضم ضباط وعسكريين آخرين إليهم. بهذه الطريقة يمكن كشف معلومات عن المتجسّسين من دون الإفصاح عنها. ولا بدّ من ترك بعض الضباط في هذا الوضع لمدة قد تطول، فمع امتداد الزمن يشعر المسؤولون الإسرائيليون بأن هؤلاء الضباط لم ينكشف أمرهم بفضل تعاملهم الصارم مع العملاء الذي كُلّفوا مكافحتهم (بناءً على توجيهات إسرائيلية بهدف التمويه)، وبالتالي يمكن تكليفهم مهمات أكثر دقّة وصعوبة. وقد يطلب الإسرائيلي من هؤلاء الضباط أو المسؤولين الأمنيين أو السياسيين أو الإعلاميين أن يتظاهروا بدعمهم مع المقاومة وقياداتها، وهي الطريقة الكلاسيكية في التمويه الاستخباري.
3 ـــــ اعتماد التشدّد الرادع عبر إصدار مجلس النواب قوانين خاصة بمكافحة التجسّس ورفع شدّة العقوبات على الذين يثبت تورّطهم. فبدل أن يُلقي بعض النواب والوزراء خطابات عن مدى التزامهم بحماية المقاومة، يمكنهم البحث في تعديل القوانين وفي إصدار قانون يُنشئ هيئة قضائية عليا لمكافحة التجسّس.
4 ـــــ الاعتماد على الاتصالات السلكية وتوفير الحماية المتواصلة للتمديدات عبر المراقبة المباشرة المستمرّة وتجنّب وسائل الإنذار التقنية وكاميرات المراقبة. ويفترض أن تكون التمديدات مرئية ومموهة، وغير معروفة المكان ومُخفاة تحت الأرض حيث لا يمكن مراقبتها. ويجب تقليص مدة الاتصالات وتمويه نوعية المعلومات التي تنقل عبرها، وتجنّب استخدام الهواتف ووسائل الاتصال المحمولة تجنباً كاملاً.