تحوّل مشروع قانون الانتخابات البلدية القائم على أساس النسبية إلى برميل بارود يفجّر الحوارت والنقاشات الشعبية الجارية حوله في البقاع، بين من يرفضه لكونه يجد فيه مشروع إحداث موجات من القلاقل في القرى، ومن يشجّع عليه لكونه يجد فيه جرعة مهمة لإصلاح نظامنا السياسي


عفيف دياب
يناقش رئيس بلدية راشيا، زياد العريان، مشروع قانون الانتخابات البلدية المقترح بهدوء. فيقدّم خلال حواره مع «الأخبار» نماذج عن انتخابات بلدية سابقة جرت في مدينته، تؤكد أن «النسبية فاشلة والمشروع خطير جداً، وهو غير إصلاحي الآن».
ليس رئيس بلدية راشيا الوحيد في منطقة البقاع الذي يرفض المشروع المقترح، فالعديد من رؤساء البلديات هنا أبلغوا نواب مناطقهم رفضهم المسبق للانتخابات البلدية على أساس النسبية. يقول العريان إن التجربة المتنوعة داخل المجالس البلدية «سقطت، ونحن في راشيا كنا نموذجاً فاقعاً لفشل العمل البلدي إثر الانتخابات البلدية عام 1998. لقد أدى تمثيل القوى الحزبية كلّها في راشيا بالمجلس البلدي (13 عضواً) إلى إصابته بالشلل التام لارتباط كلّ عضو بمرجعيته الحزبية وعدم قدرته المسبقة على الموافقة على قرار ما إلا بعد العودة إلى مرجعه». يضيف: «هذا الواقع الذي عاشته راشيا سابقاً سبب استقالة عدد كبير من أعضاء البلدية، ودخلنا في متاهات سياسية محلية حوّلت المجلس البلدي إلى مسرح للصراع، وكان أهالي البلدة يقفون قرب مقرّ البلدية ويستمعون إلى صراخنا».
بلدية راشيا التي تعثرت في عام 1998 بسبب نتائجها «النسبية»، تجاوزت هذا المطب، في انتخابات 2004: «رفضنا تكرار التجربة في انتخابات 2004، وألّفنا لائحة بلدية مكتملة من فريق عمل منسجم ومتناغم حقق نجاحات لا بأس بها، ما أعطانا إشارةً إلى أن التنوع في المجلس البلدي، وإن كان على أساس النسبية، فاشل وغير صحي في العمل الإنمائي». ويرى العريان استحالة تطبيق قانون النسبية في الانتخابات البلدية: «الأكثري يبقى الأفضل في مجتمعنا ومفهومنا للعمل الإنمائي المحلي». ويلفت العريان إلى أنه لا يستطيع، وفق القانون المقترح «ترؤس لائحة مكتملة، وسيقضي هذا المشروع على الأعراف المتبعة في بلداتنا ومدننا نتيجة تنوّعها الديموغرافي. ففي راشيا يقول العرف إن رئاسة البلدية لدرزي ونائبه من المسيحيين مع ثلث الأعضاء. كيف سيمكننا المحافظة على هذا العرف في الانتخابات على أساس النسبية؟».

التنوّع في المجلس البلدي غير صحي لإنجاح العمل الإنمائي
في مدينة زحلة، يبدو واضحاً من خلال الجوّ العام أن مختلف القوى السياسية والحزبية والعائلية رفضت ما يسمّى «قانون بارود». ذلك أن المعركة الانتخابية في عاصمة البقاع ستكون سياسية بامتياز، وبالتالي لا تجد مختلف القوى الحزبية «مصلحة لها» في خوض انتخابات بلدية على أساس النسبية رغم ضمانها المسبق لحصتها في المجلس البلدي من خلال القانون المقترح. فيقول أحد أعضاء المجلس البلدي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن «المجلس البلدي الحالي الذي يعتبر من لون سياسي واحد لا يمكنه أن ينجح إذا اعتمد قانون النسبية. معركتنا سياسية أولاً وأخيراً، ومن ثم يأتي الإنماء». يتابع: «لا مصلحة لنا كطرف سياسي (الكتلة الشعبية) في أن تجري الانتخابات على أساس النسبية، إذ كيف سيكون حال المجلس البلدي إذا تقاسمناه مع الكتائب والقوات اللبنانية؟»، موضحاً أن الرأي العام اللبناني «لم يصل بعد إلى مستوى يؤهله الاختيار على أساس النسبية أو وفق برامج معدة سلفاً تخضع للمحاسبة، وبالتالي فإن القانون المقترح لا يناسبنا لأن الأعراف المتبعة في زحلة تبقى أقوى من القوانين مهما كانت متطوّرة أو حضارية».
من جهته، يرى رئيس بلدية زحلة أسعد زغيب أن «النسبية ستلحق إجحافاً بتمثيل فئات عائلية في المجلس البلدي. ففي مدينة زحلة أعراف لا يمكن تجاوزها بسهولة أو تمييز أحد عن الآخر في هذه اللائحة أو تلك. المدينة مقسمة إلى 16 حيّاً والنسبية لا يمكنها تأمين التمثيل الصحيح لها، عدا مراعاة الحصص المذهبية»، معتبراً أن الاقتراح «تركيبة مستعصية ولا يمكن إجراء الانتخابات البلدية على أساسه»، داعياً إلى تقسيم المدن الكبرى إلى أحياء و«كل حيّ ينتخب ممثليه».
بدوره، يرى رئيس بلدية بعلبك، بسام رعد، في إجراء الانتخابات البلدية على أساس النسبية «مشروعاً مستحيلاً ما بيزبط معنا هون ببعلبك وفي كل لبنان». يضيف أن القانون المقترح سيؤدي إلى «إحداث قلاقل ومشاكل، فالقانون، إذا طُبّق، سيحدث مشاكل عائلية، داخل الجبّ العائلي الواحد. نحن نعاني الآن مشاكل طائفية ومذهبية في الانتخابات البلدية، فكيف سيكون وضعنا إذا اعتمد قانون النسبية؟». ويطالب رعد بتقديم شرح مسهب لـ«الآلية التي ستعتمد. كيف سنوفق بين النسبية والكوتا النسائية مثلاً، ومن من العائلات ستقبل بأن يكون ممثلها في آخر اللائحة؟». ويشير إلى أن «النسبية في بعلبك لا تُصرف، وإذا صُرفت ووصل مجلس بلدي متنوّع فإن الفضيحة ستكون في المجلس البلدي». لذلك يعتبر أن النسبية «تنجح في الانتخابات النيابية لا البلدية. أعتقد أن الأمر بحاجة إلى المزيد من الدرس والنقاش، فالأحزاب في الانتخابات البلدية لا يمكنها فرض رأيها على العائلات وحصصها في المجالس البلدية، وإذا نجحت فستسهم بشكل أو بآخر في تقسيم العائلات وإنتاج حالات عدائية في البيت الواحد».
حاجة إلى شرح آليات الاقتراع للمرشحين والناخبين على حد سواء
هذه الأعراف المتبعة في معظم مدن لبنان وبلداته وقراه، تتوسع مروحتها في الحوارت الشعبية حول القانون الانتخابي على أساس النسبية. ويقول رئيس نادي الحدود في مجدل عنجر نضال خالد الذي نظم ناديه مجموعة حوارات بين الشباب حول نظم انتخابية متنوعة إن الاقتراح، «رغم أهميته في تطوير النظام السياسي اللبناني، إلا أنّ تطبيقه على البلديات في ظلّ غياب الأحزاب وتجذّر العائلية والخيارات الانتخابية المرتبطة بالقربى والحاجة المادية وشراء الأصوات، يجعله عائقاً أمام تطوير الخيارات البلدية المقدّمة من وزير الداخلية. فالاقتراح دونه عقبات أبرزها مزاجية رئيس اللائحة وترتيب أسماء المرشحين في لائحته والأعراف في قرانا ومجتمعنا المحلي». ويؤكد أن اعتماد النسبية في البلديات «يحتاج إلى نقاش مستفيض وشرح وافٍ للمرشحين والناخبين على حد سواء».
ويرى الناشط في المجتمع المدني، وليد مرسل، أن اقتراح القانون «حركة تقدمية ثورية يجب أن تعمّم على كلّ الاستحقاقات الانتخابية، نيابية، بلدية، نقابية وحتى حزبية». وفيما يعترف بأن النسبية «تثير القلق اليوم لأن الشعب لم يطلع على القانون بعد»، إلا أنه يرى أنها «تساهم في لجم العمل العائلي والعشائري والقبلي المتحجر في نفوس الناس لمصلحة تجمعات لها الرؤية عينها وقد تنتج منها أحزاب وطنية لها برامج جيدة في العمل العام والإنمائي البعيد عن المصالح الشخصية والفئوية».
بدورها، ترى الناشطة في المجتمع المدني البقاعي كلوديت الحايك أن القانون المقترح يحتاج إلى توضيحات أكثر وآليات أكثر سلاسة. لكنها تؤكد أنها «بالمطلق» مع الاقتراح لأنه «خطوة نوعية نحو الإصلاح الحقيقي، وبالتالي علينا تطبيقه لنرى مفاعيله على نظامنا الانتخابي الذي هو بأمسّ الحاجة إلى إصلاح كبير، وخصوصاً أنه يضمن حق الأقلية في التمثيل لأن وجودها في البلدية يكون صمام أمان يعطي نكهة صحية للعمل الإنمائي ويمنع التفرد بالرأي».


عنجر حالة خاصة

لا تواجه كل القرى والبلدات البقاعية التحديات التي تفرضها النسبية، لجهة صعوبة تأليف اللوائح بما يحوز فيه كلّ طرف العدد الأكبر من المقاعد، سواء كان هذا الطرف سياسياً أو عائلياً. ففي عنجر مثلاً، يطغى اللون الواحد سياسياً واجتماعياً، باختلاف التنوّع الحزبي والعائلي والطائفي الموجود في راشيا وزحلة. لذلك لا يقلق مشروع قانون الانتخابات، لا شكلاً ولا مضموناً، أهالي المدينة.
يقول رئيس البلدية سيبوه سقيان إن مجلس بلدية عنجر «يفوز بالتزكية عادة» نظراً لأحادية القرار السياسي الذي يتولى إصداره حزب الطاشناق، الفائز أبداً في كلّ استحقاقات عنجر: «الأمر عندنا سيان، سواء كان القانون الانتخابي على أسس نسبية أو أكثرية. الجميع هنا ملتزمون بالقرار السياسي للحزب وما يقرّره».