يطلّ معرض الشّتول بخجل، من وراء سياج حديديٍّ يفصله عن الطريق العام، ليس أي طريق بل أوتوستراد نهر الموت. يطل كالمفاجأة السعيدة، كواحة ألوان وسط صحراء المدينة. يحارب الغبارَ بإشراقة الرّبيع ويتحدّى الباطون المسلّح برقّة الزّهر


أليسار كرم
ينحني عبدو، مصري الجنسية، متابعاً عمله في تشحيل الورق الأصفر واستئصال الجذعيات اليابسة متجاهلاً آلة التصوير. يضع المقصّ جانباً ويلتقط مرشّة المياه ثم يحرّك الوعاء البلاستيكي برفق ويوزع قطرات المياه على سطح التّربة وعنق ورأس الزّهرة. ينتعش لرؤية نضارتها ويبتسم كلما مالت أوراقها مع النسيم وانطوت بين يديه الخشنتين بدلع. يقف عبدو في معرض الشتول بالقرب من فوروم دو بيروت. المعرض، لا تتخطّى مساحته ألفي متر مربع. وهي بالتالي مساحة خضرة أشبه بسراب لا يروي ظمأ مشتاقين إلى الطّبيعة. لا تشبع العيون التّواقة للألوان المنعشة والمساحات الخالية من الباطون، من تأمّل الأزهار الموسميّة الرّقيقة، مرصوفة بانتظام داخل أوان بلاستيكية أو فخارية. وإذا كان للزهور بلاغةٌ وأناقة في التعبير عن مكنونات النّفس، فلمعارضها قدرة على إنعاش المدينة المخنوقة بالغبار وخرق رتابة المشهد المثقل بالأبنية، برغم صغر مساحتها.
لا يترّدد عبدو في الإجابة عن أسئلة الزبائن بشأن أسماء الشتول وميزاتها وإسداء نصائحه لإطالة عمرها. أما عن الأسعار فيقول «يا بلاش. الجيرانيوم 3 آلاف، الورد هناك 9 آلاف فحجمه كبير»، أما البوغينفيل وهي نبتة أنيقة ملمسها كالمخمل فيتراوح سعرها بين 50 و75 ألفاً. يرى عبدو أن المعرض يساعد أصحاب المشاتل على بيع منتجاتهم الوطنية ومواجهة المضاربة جراء الإصرار على استيراد الأصناف ذاتها بحجة أنها «أرخص»! ويعتبر أن الاستمرار بعرض منتجاتهم في سوق دائمة أفضل من انتظار الزبائن داخل مشتلهم «المخفي» قرب فوار أنطلياس، على حدّ تعبيره.
ولدى التّوقف عند صفة «وطنية» لزراعات هي ثمرة جهود يد عاملة أجنبية، سورية ومصرية في أغلب الأحيان، يبتسم كلّ من عبدو وزميله السّوري هيثم الذي يسارع بالإجابة «اللّبنانيون خواجات ولا يحبّون أن تتّسخ ملابسهم بالوحل» ويضيف بجدّية أكثر «أصحاب المشاتل لبنانيّون ولكن يبحثون عن يدٍ عاملة رخيصة لأن القطاع لم يعد مربحاً كالسّابق».

لمعارض الزهور قدرة على إنعاش العين المثقلة بمشهد الباطون
ومعرض الفوروم ليس الوحيد في لبنان، فمزارعو الشّتول ينتقلون من معرض إلى آخر لتسويق إنتاج يعاني مضاربة كبيرة بعد إغراق السّوق بالأزهار المستوردة. وتنظّم نقابة مزارعي الشّتول والأزهار معرضها السّنوي، للسّنة العاشرة على التّوالي، لتسويق إنتاج المزارعين اللّبنانيين وإيصاله مباشرة إلى المستهلك بدون وساطة التّاجر، بأسعار تشجيعيّة. هذا المعرض الّذي استقرّ منذ 3 سنوات في منطقة المدوّر، مشرفاً على طريق النّهر ـــــ الكرنتينا، يبعث فرحاً بنكهة الرّبيع من وراء أسلاك حديديّة عبثاً تزنّر المكان لأنها لن تتمكن من سجن «ربيع بيروت» الغارقة في غبارها في هذه البقعة الصّغيرة.
يقول نقيب مزارعي الشتول والأزهار في لبنان جوزيف أبو زيد «نحن اليوم كالبدو الرُّحّل، فقد انتقل معرضنا من منطقة «سوليدير» في وسط بيروت إلى منطقة الأشرفية مقابل وزارة الخارجية، إلى أن قدّم لنا أصحاب الفوروم هذه الأرض مجاناً لنقيم عليها معرضنا». ويضيف «نحن بحاجة ماسة إلى معرض دائم يكون بمثابة سوق رئيسة لتصريف منتجات مزارعي الأزهار والشتول اللبنانيين». يضيف أبو زيد «في السابق كان المعرض يفتح في عطلة نهاية الأسبوع، أما الآن فبات يستقبل الزوار يومياً على مدى 3 أشهر، وقد فتح أبوابه قبل عيد الأم بأسبوع ويستمر حتى آخر حزيران، أي إلى حين انتهاء موسم الزّرع»، ويُلاحظ أن الناس تقبل على شراء شتول موسمية وزهور تزيّن بها الشرفات أو زوايا المنزل مثل الغاردينيا والورد والجيرانيوم، «كما نتوقع أن تنشط حركة البيع خلال الأشهر المقبلة».
من ناحية أخرى، يستأجر معظم زارعي الشتول والأزهار الأراضي للعمل فيها ومعظمها بعيدة عن الأسواق وعن الطرق العامة، ما يعني أنهم لا يستقرون في أرضهم ولا يتمتعون بنقاط استراتيجية تجذب الزبائن، ويكتفون بالاتكال على قاصديهم من مزارعين أو تجار. «الاستقرار أساس الإنتاج الجيد والتسويق الناجح» يقول النقيب أبو زيد، ويطمئن إلى أن النّقابة اجتمعت مع وزير الزراعة حسين الحاج حسن وطالبت بتأمين أرض لا تقل مساحتها عن 3 آلاف متر مربع لإقامة سوق دائم مجهّز بمراكز توضيب ومختبر صغير وبرّادات خاصة «يجتمع فيه المزارعون وتجار الجملة والمفرق ليصمدوا معاً في وجه الأسواق المتخمة بالبضائع المستوردة من الصين وتايلاندا والسعودية وإيطاليا والأردن وسوريا وغيرها».
في هذا السياق، يوضح رئيس قطاع المشاتل في النقابة روجيه معوض أن الإنتاج المحلّي يضاهي بجودته أفضل الأصناف المستوردة «منتجاتنا باب أوّل. وصل فريق متخصص من هولندا بطلب من النقابة وقام ببحث ودراسة لمنتجاتنا وأصدر تقريراً رسمياً قال فيه إن المزارعين اللبنانيين ينتجون ما يضاهي سلع أوروبا في الجودة، غير أنهم لا يتلقون الدعم الذي يسمح لهم بتطوير عملهم وتوسيعه». وأضاف مستنكراً «إسرائيل، الدولة العدوّة التي لا تملك معطيات طبيعية أو مواصفات مناخية أهم من المتوافرة في لبنان تصدّر يومياً طيّارتين من الزهور والنباتات الموسمية إلى أوروبا، لأن المزارعين هناك يحظون باهتمام الدولة فلا يرهقون بالضرائب ولا يواجهون إهمالاً لقطاعهم».
ويلفت معوّض إلى أن الوزارة حالياً تُظهر اهتماماً بحاجات القطاع وتعمل على إنشاء مكتب خاص به في الوزارة.
من جهته، يأسف بول أسطفان، وهو صاحب مشتل في جزين وعضو في نقابة مزارعي الأزهار والشتول لحالهم «إن الأرباح التي نجنيها خلال المواسم، قد تقضي عليها إحدى الكوارث الطبيعية وما أكثرها في هذه الفترة، مثل ارتفاع الحرارة والبرد القارس، وشركات التأمين لا تعترف بالأضرار الناتجة من الكوارث الطبيعية».
يتدخّل المزارع موسى الهندي وهو صاحب أرض زراعية في دير تعنايل ـــــ البقاع ويروي كيف أن مهندسين أميركيين من الجامعة الأميركية في بيروت طلبوا من المزارعين إنتاج كميات من أشجار الحور لنقلها إلى الولايات المتحدة، لكن أحداً من المزارعين لم يتمكن من تحمّل تكاليف الإنتاج. «نحن غير مستعدين لمشاريع كبيرة من هذا النوع، ليس لأننا لا نملك الخبرة أو المقدرة العملية بل لأننا غير مدعومين». ويسأل الهندي «ألم يلاحظ أحد أن إحدى أجمل الأزهار وأكثرها رواجاً كانت مفقودة من السّوق في عيد الأم؟» هي نبتة المرمدة (cinéraire) ولكنّها غير معروفة باسمها العربي، لا تنمو إلا في الظّروف المناخية والتّربة المتوافرة في البقاع. يضيف الهندي «تكلفة المازوت الذي نستخدمه لتدفئة النبتة يساوي سعرها في السّوق، فكلفة الإنتاج ترتفع ارتفاعاً جنونياً في الشّتاء. ما بتوفّي معنا».


36,5 مليون زهرة سنوياً

فيما ينتج لبنان كمّيّات وافرة من زهور الـ«كريزانتيم» والـ«جيربيرا» والورد والياسمين، يستورد 60 صنفاً من زهرة الـ«أوركيديه» الآسيوية التي تعدّ 22 ألف صنف. ويستهلك اللّبنانيون نحو 36,5 مليون زهرة سنوياً لكلٍّ منها رمزيّة خاصّة وارتباط وثيق بالمناسبات الاجتماعية والعلاقات الإنسانيّة. «كريزانتام» على اختلاف أنواعها وألوانها تغطي المقابر وترافق المناسبات الحزينة. والـ«جيربيرا» المتميّزة بشكلها الدّائري وبَتَلاتها المتساوية الطول والحجم فتعبّر عن الإعجاب وتوطيد العلاقات. أما الورد فتختلف دلالاته بحسب لونه: الأحمر يرمز إلى الحب الصادق، الأصفر يرمز إلى الغيرة، الأبيض إلى الحب الطاهر والبريء والبرتقالي إلى الشّغف والشّهوة. وأمّا الياسمين فيعبّر عن الحنان والدّلع والطفولية. من ناحية أخرى، تحمل زهرة الـ«أوركيديه» (السّحلية) دلالات كثيرة نظراً لتعدّد أصنافها وإن كانت بلدان الشّرق الأقصى قد حصرت دورها بجذب شريك العمر والخصوبة، وكان الفيلسوف الصّيني كونفوشيوس قد اعتبر أن ملاقاة الحبيب تشبه المكوث في دارة ملأى بهذه الزّهور.