خلال الأسبوع الماضي، وفي إحدى ثانويات الجنوب التي نكتفي بالإشارة إليها بـ«ثانوية ك» الرسمية، رشق أحد الطلاب معلمته ببيضة. كانت المعلمة نور (اسم مستعار) تكتب على اللوح في الصف الأول الثانوي، وإذا بأحد الطلاب يرميها ببيضة قاصداً إصابة رأسها. لحسن الحظ، أخطأ الطالب الهدف، فأصابت البيضة اللوح وانكسرت لتلوّث ثياب المعلمة. ما إن استفاقت هذه الأخيرة من صدمتها، حتى بدأت تصرخ غاضبة في وجه طلابها، إلى أن استدعت المدير. لم يكن هذا الأخير أوفر حظاً منها في معرفة الفاعل، رغم أنه فتح تحقيقاً في الموضوع، واستعان بالقرآن الكريم داعياً كل طالب ليقسم عليه إنه لم يكن هو المذنب. «لم أشلق البيضة»، أقسم الجميع. عندها، صعّد المدير، وهدّدهم بأنهم سينالون العلامة صفر في المادة التي تدرّسها المعلمة «الضحية» عقاباً لهم إن لم يعترفوا. لكن ذلك لم يُثنهم، فلم يعترف أحد، ولم يبلّغ أحد عن زميله، وانتهى النهار «المكهرب» في المدرسة من دون أيّ حصة غير تلك التي وقعت فيها الحادثة. في اليوم التالي، جاء الطلاب إلى الصف، وتعلّموا الساعات الثلاث الأولى، قبل أن يتضامن سائر المعلمين مع زميلتهم.

«في السابق، كانوا يرموننا بالطباشير والآن بالبيض، لو تركنا الحدث يمرّ مرور الكرام، فقد يرموننا بالأحذية أيضاً في ما بعد!»، قال أحدهم لـ«الأخبار» طالباً عدم ذكر اسمه. بعد فشل الوعيد، اعتمد المدير منهج الحوار والعظة الأخلاقية، فجمع الطلاب وأعطاهم درساً في الأخلاق والمبادئ وصرفهم إلى بيوتهم طالباً منهم إحضار أولياء أمورهم في اليوم التالي. حضر الأهالي فعلاً، واستنكروا ما حصل، إلا أن استنكارهم لم يدفع أحداً من أبنائهم إلى الاعتراف، فحضر التفتيش المركزي التابع لوزارة التربية وصرف الطلاب مانحاً إياهم مهلة قانونية للاعتراف. في تلك الأثناء، حاول المعلمون التحرّي بأنفسهم، وتحصيل المعلومات من طلاب الصفوف الأخرى، لكن دون جدوى. انتهت المهلة القانونية نهار الاثنين الواقع في 22 آذار، فعاد الطلاب إلى الثانوية وتلقّوا دروسهم بطريقة طبيعية لأن المدير لا يستطيع، بحسب القانون، تعليق دروسهم فترة أطول من ذلك. لكن المعلمة نور لن تدخل إلى ذلك الصف ثانيةً. مصادر طالبية نقلت أن الطلاب يشعرون بالزهو والفخر لأنهم «حقّقوا انتصاراً» بتضامنهم بعضهم مع بعض، ومنعهم التفتيش من معرفة الفاعل الحقيقي. إلا أن ما يبدو تضامناً، قد لا يكون كذلك. فقد نقلت بعض المصادر الأخرى لـ«الأخبار» أنّ «الجاني» هدّد الطلاب وأرهبهم، وخاصةً الطالبات منهم، متوعّداً إياهم بالأذية إن وشوا به، فلم يجرؤ أحد منهم على الاعتراف. وقد نقلت مصادر من الهيئة التعليمية في تلك الثانوية لـ«الأخبار» شدة استياء المعلمين من الإهانة التي تلقّوها وسط عجز الجميع، بما فيهم قوى الأمن، عن ضبط مثل هذه الحوادث. فهذه الحادثة ليست الأولى من نوعها بحقهم، إذ سبق أن قام بعض الطلاب العام الماضي بحفر شتائم على سيارة إحدى المعلمات، لكن التحقيقات لم تُفضِ إلى شيء أيضاً. كذلك، سبق لطالب أن أشعل قنبلة مفرقعات أحدثت ضجة كبيرة ظنّها الجميع انفجاراً. وكالعادة، لم يُعرف الفاعل، رغم جهود المدير الحثيثة وتدخّل الدرك والأهالي في بعض الأحيان.
ز. ص.