Strong>وصلت العاصفة فجر أمس إلى بيروت، تساقط البرَد بحبّات ضخمة مغطّياً طرقاتها والسيارات المركونة ببساط أبيض رقيق لم يذب إلا بإشراق الشمس، أما المناطق؟ فقد انقطعت فيها أركان العيش الثلاثة: الخبز والمازوت والكهرباء، بمجرد الإعلان عن عاصفة ثلجية ستدوم أياماً ثلاثة، وأكملت العاصفة شخصياً على الباقي حين قطعت طرقات بعضها

لعلعت العاصفة الثلجيّة لدى وصولها فجر أمس إلى لبنان، فأرغت وأزبدت وأفرغت حمولتها من حبّات البرَد الضخمة على العاصمة، واستفاق الناس حوالى الثالثة فجراً على صوت انهمار حبّات برَد وصف البعض صوتها بأنه كان كصوت رشق الحصى. وحال المدن الساحلية كانت كحال العاصمة، ففي صيدا (خالد الغربي) استفاق الناس على غطاء أبيض من الجليد، سرعان ما أذابته أشعة الشمس. وغمرت الأمواج العاتية قلعة صيدا البحرية، ولفظت على الشاطئ أطناناً من النفايات والإطارات المطاطية التي كانت قد سقطت في البحر جرّاء انهيار أجزاء من جبل النفايات، لكن ما أثار قلق الناس، أن تقذف الرياح العاتية ببقايا الطائرة الإثيوبية إلى خارج المياه الإقليمية، إلى تركيا أو فلسطين المحتلة. وقد شلّت العاصفة لليوم الثاني حركة الملاحة والصيد البحري في ميناء المدينة وحالت دون تمكّن باخرتين تجاريتين من الدخول إلى المرفأ أو المغادرة فبقيتا مرابطتين في عرض البحر، بينما لازم الصيادون منازلهم. وحده طائر النورس الذي انتشرت أسرابه بكثافة على الشاطئ الصيداوي استغلّ الموقف وقوة الرياح التي قذفت بالأسماك إلى الشاطئ فراح يلاحق الأسماك النافقة بعيونه الثاقبة منقضّا عليها. وقد أتت الرياح على أشجار مثمرة وبساتين الموز وعلى بعض الخيم الحرارية، ولا سيما في منطقتي الزهراني والرميلة، كما أن حبات البرَد أتلفت زهر الإكي دنيا. وانتشرت جرافات تابعة لوزارة الأشغال على طول الطريق بين روم وجزين وعملت على إزالة ما يتراكم من ثلوج تباعاً للحؤول دون انقطاع الطريق.
وفي طرابلس، استنفرت ورش البلدية وعملت على إعادة فتح المجارير العامة التي سدّتها الأمطار الغزيرة، وعلى سحب المياه من بعض المخابئ والأبنية وخاصة في مناطق أبي سمراء والأحياء القديمة من طرابلس. وكانت المدينة قد شهدت هطولاً غزيراً للأمطار، أعقبه موجة صقيع طوال ساعات الليل وموجات من حبات البرد حيث لامس الثلج للمرة الأولى، في هذا الموسم رغم تأخّره، السواحل البحرية، ما أدى في ساعات الصباح الأولى إلى جليد على الطرق أعاق حركة السير.
وفي عاليه (عامر ملاعب) تركزت العاصفة على ارتفاع 800 متر، بدءاً من ميدنة عاليه، صعوداً إلى ضهور العبادية، بعلشميه، محطة بحمدون وصولاً إلى صوفر، المديرج وضهر البيدر. وكانت ساحة محطة بحمدون قد شهدت يوم أمس ازدحاماً للسيارات والشاحنات المتوقفة على جانبي الطريق، وانتشر باعة السلاسل المعدنية. وعمل عناصر من قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني على مساعدة السيارات العالقة، مع الاستمرار في التدابير المتخذة لجهة منع السيارات غير المجهّزة بسلاسل معدنية من سلوك الطريق الدولية التي ظلّت سالكة على خطّين، وسط عمليات جرف الثلوج المتواصلة.
وعند الرابعة إلا ربعاً فجراً، انطلقت من «مركز جارفات الثلوج» في المديرج عشر جرافات متعددة الأحجام وفتحت الطريق الدولية بين المديرج وضهر البيدر، وظلت بضع جرافات تعمل جيئة وذهاباً على إزالة الثلوج التي ظلت تتراكم مع استمرار العاصفة. وأقفلت المدارس في المتن الأعلى ومدينة عاليه وجوارها وفي قرى الجرد الأعلى. وفي قرى العرقوب (عساف أبو رحال) قطعت العاصفة بعض الطرقات الجبلية، حيث عملت البلديات بالتعاون مع وزارة الأشغال على فتحها في بلدتي كفرشوبا وشبعا، بعدما راوحت سماكة الثلوج بين 30 و50 سنتمتراً، ما عزل القرى ولو لفترة عاد فيها الأهالي إلى الالتفاف حول مدافئ الحطب وإعداد القمح المسلوق.

سيتأثر لبنان بالبرد القارس والثلوج حتى نهاية الأسبوع مع خطر تشكل الجليد
وفي الجنوب (داني الأمين) شبه الناس أجواء العواصف الثلجية بأجواء الحروب التي يتعرّض لها الجنوبيون، فتتوقف الخدمات العامة. فمع بدء العاصفة أمس انقطعت الكهرباء و...المازوت عن بعض المحطات، إضافة إلى الخبز الذي اختفى بمجرد الإعلان عن اقترابها أول من أمس وبقائها 3 أيام. وفي كونين، تحاول جميلة اسماعيل، البحث عن ربطة خبز منذ عصر أمس «حتى في بنت جبيل ليس هناك خبز ـــــ تقول ـــــ فقد تهافت الأهالي على المحالّ وتزوّدوا بمواد غذائية أساسية، وكأن حرباً ستقع، ولن يتيسّر لهم الخروج من ملاجئهم»! ويقول مصطفى ترمس (70 عاماً) من طلّوسة «من أجل المازوت نضطرّ للذهاب إلى القرى الكبرى الأخرى في العديسة ومجدل سلم، لكن ليس هناك مواصلات في مثل هذا الطقس، فنُضمرّ إلى السّير على أقدامنا، إلى أن يشفق علينا أحد العابرين بسيارته لنقلنا من مكان إلى آخر». وفي صور، أقفلت المدارس بسبب ملامسة الثلوج ليلاً وفي ساعات الصباح الأولى السواحل، فيما ارتفعت أمواج البحر قبالة المدينة، ما أدى إلى قذف البحر الحصى والحجارة، وغمر الشارع (المدخل الشرقي) للمدينة بالمياه وتوقفت حركة الملاحة البحرية في ميناء صور وعمل صيادي الأسماك.
وفي البقاع (عفيف دياب) غطت الثلوج لأول مرة السهل وكل المناطق فوق 600 متر، قاطعة طرقات رئيسية ودولية، وعزلت عشرات القرى، ما أدى إلى شلّ الحركة وتعطّل الدراسة، إضافة إلى تعذّر وصول الموظفين إلى أعمالهم في المنطقة التي حوصرت بالثلوج. وعلى طريق ضهر البيدر، انتقد عابرون قسراً غياب عمل الجرافات بعد ظهر أمس، واقتصار إزالة الثلوج المتراكمة على جرافة واحدة. وقد أدت العاصفة الثلجية، كالعادة، إلى انقطاع التيار الكهربائي. وقفز سعر صفيحة المازوت أمس، إلى ما فوق 25 ألف ليرة، في وقت شهدت فيه الأفران «هجوماً» على شراء الخبز. العاصفة الثلجية المتوقّع استمرارها حتى مساء اليوم الجمعة كانت مناسبةً أحسن طلاب وعاطلون من العمل استغلالها في بيع «الجنازير» للسيارات المتوجّهه من البقاع إلى بيروت، حيث انتشر عشرات الباعة بين شتورة ومفترق قب الياس ـــــ المريجات، ووصل سعر «الجنزير» إلى 40 ألف ليرة مع 10 آلاف بدل تركيب. ووصلت سماكة الثلوج في منطقة حزرتا إلى نصف متر تقريباً. وأكد عدد من أبناء بلدة اليمونة (رامح حمية) أن الطرقات مقطوعة كلياً منذ يوم أمس، مرجّحين أن تستمر العزلة لأسبوع، بالنظر إلى كثافة الثلوج، حيث وصل ارتفاعها على الطريق المؤدية للبلدة إلى 160 سنتم. وقالت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية في رياق إن مجموع الأمطار في البقاع الأوسط بلغ لغاية ظهر أمس 600 ملم، مقابل 185 ملم في العام الماضي، أما المعدل العام فهو 425 ملم. وأوضحت أن موجة من البرد القارس سيتأثر بها لبنان حتى نهاية الأسبوع الجاري، بحيث تنخفض درجات الحرارة بسرعة، مع خطر تشكل الجليد.
وفي قضاء الهرمل (رامي بليبل) لم تنفع صلوات أهل المنطقة وتراتيلهم في دفع الصقيع عن عشرات آلاف أشجار اللوز التي كانت قد أزهرت لارتفاع درجات الحرارة الشهر الماضي. لكن شباط الذي بيّضها مع الخائفين من الجفاف، سوّدها في قلوب مزارعي اللوز والمشمش، قاضياً على الموسم برمّته رغم كل جهودهم لتفادي الصقيع، ومنها إشعال الإطارات المطاطية بين الأشجار.


الطرق المقطوعة

الطرق الجبليّة المقطوعة حسب المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي: قبيع، قرنايل، حمانا، عيون السيمان، العاقورة، الطرق من منطقة الكفور صعوداً، فتري ـــــ بيت الهيت، المنيطرة ـــــ حدث بعلبك، صنين ـــــ زحلة، ضهور الشوير ـــــ ترشيش ـــــ زحلة، معاصر الشوف ـــــ كفريّا، المعاصر ـــــ الخريبة مرستي، عيناتا ـــــ الأرز، حدث بعلبك ـــــ أفقا، حدث بعلبك ـــــ عيون السيمان، القصر، القبيّات، دير الأحمر، اليمونة، دار الواسعة ـــــ برقا، تنورين ـــــ حدث الجبة، تنورين ـــــ اللقلوق، القبيّات ـــــ الهرمل، مشمش ـــــ فنيدق، جرود مربين ـــــ الهرمل والحمصية حتى مثلث الديمان. وتوقعت مصلحة الأرصاد الجوية في إدارة الطيران المدني أن يكون الطقس اليوم غائماً الى ماطر، كما توقّعت أن تبقى درجات الحرارة منخفضة، أما في الداخل وعلى المرتفعات فتستمر الثلوج بالتساقط على ارتفاع 500 متر عن سطح البحر حتى ساعات الليل. ويوم السبت سيكون الطقس غائماً جزئياً مع بقاء درجات الحرارة منخفضة وتكوّن جليد على المرتفعات.