لمجدل عنجر معبد روماني مهمّ ومئذنة فريدة من نوعها في لبنان. أهالي القرية اعتادوا تسمية المعبد بالقلعة، واعتادوا المنقبين، الذين يأتونه للبحث عن الآثار، فيخرّبونه ويبعثرون حجارته


عفيف دياب ــ جوان فرشخ بجالي
«لم يبقَ منقّب عن الآثار في لبنان إلّا عاث خراباً في معبد مجدل عنجر، كلهم مهتمون بالموقع، ووحدها الدولة اللبنانية هي الغائب الأكبر»، كلام لرئيس نادي الحدود الثقافي والاجتماعي في مجدل عنجر، نضال خالد، الذي يسعى مع ناديه إلى وضع المعبد الروماني في بلدتهم على خريطة الاهتمام الرسمي. ويرى خالد أن الموقع تحوّل خراباً، ويكاد يغدو «أثراً بعد عين». يضيف: «يستحيل علينا وضع لائحة بالقطع الأثرية التي سُرقت من محيطها على مدى 3 عقود. كان التنقيب غير الشرعي يجري في وضح النهار، وعلى عينك يا تاجر، ولو قدر للصوص الآثار نزع جدران القلعة وحجارتها الكبيرة لما تأخروا لحظة واحدة». ويكشف أن نواويس وقطع فسيفساء صغيرة نُهبت من القلعة، إضافةً إلى قطع أخرى من الأواني والفخاريّات والجرار الزجاجية والعملات القديمة وقطع ذهبية. ويلفت إلى أن بعض الأجانب جاؤوا خلال فترة الفلتان الأمني إلى القلعة، وعملوا على التنقيب مع مجموعات لبنانية متفاوتة الاحتراف.
الموقع الذي تعرّض لهذه السرقات يقع على تل مرتفع يطل على أجزاء واسعة من سهل البقاع الأوسط والجنوبي، وعلى مدخل وادي الحرير المفضي إلى دمشق، ينتصب معبد مجدل عنجر، الذي يمثّل معلماً تاريخياً قديماً يشير إلى قدم البلدة وتاريخها السياسي والاجتماعي والعسكري على مر العصور. ويعود تاريخ بناء المعبد إلى الحقبة الرومانية، ويَرى بعض المؤرخين أنه يعود إلى نهاية القرن الأول الميلادي، ويطلق أهالي البلدة عليه تسميات عدة: قصر عنتر، القلعة والحصن، نظراً إلى ضخامة حجارته، وخاصةً الأساسات. وكانت المديرية العامة للآثار قد بدأت في ستينيّات القرن الماضي حفريات أثرية على الموقع، أثمرت الكشف عن المعبد الروماني،

المؤرخون يرجّحون أن المعبد الروماني يخفي آثار مدينة كالسيس
وبدأت عملية ترميمه وإعادة بعض الجدران والأعمدة إلى أماكنها. وأُبرزت التيجان المزخرفة للأعمدة، واعتُني جيداً بالتفاصيل. وتبرز الدقة في النحت في تزيين القسم الأعلى من المعبد، الذي يعدّ فريداً من نوعه في لبنان، لجهة الأشكال الهندسية والتقنية في العمل. ويقول خالد إن المعالم الأثرية لا تتوقف على المعبد، بل تنتشر من حوله بقايا معصرة وآبار عميقة محفورة في الصخر. ويؤكّد أنه خلال الحفريات عُثر على بعض المسكوكات من أيام ليسيانوس بن بطليموس بن مينا الأيطوري، التي ظهرت خلال أعمال التنقيب، إضافةً إلى نقود ظهرت عليها صور للعديد من الأمراء والملوك، ومنها للملك اغريبا، وتماثيل كثيرة لرؤوس نساء ورجال. وكان بعض الباحثين والمؤرخين قد بدأوا يرجّحون أن المعبد الروماني في مجدل عنجر يخفي آثار مدينة كالسيس، وهي عاصمة شعب الأيطوريين، الذي عاش في البقاع، وحكم جبل لبنان مدة ثلاثمئة سنة. ويعدّ هذا الشعب من الشعوب الأكثر غموضاً بين سكّان المنطقة، فقد ذكره المؤرخون القدماء وقال عنه أبناؤه إنهم قطّاع طرق ولصوص، ولكن لا يمكن الجزم بذلك، فهذا الشعب كان يطالب باستقلاله الذاتي في فترات من الصراع الدموي.
تجدر الإشارة إلى أنه لو بوشر بالحفريات الأثرية، أو على الأقل بسبر الموقع لتأكّدت صحة هذه النظرية أو انتفت. وحفريات كهذه قد تعيد لفت انتباه المنقّبين على الموقع، فيصلون هذه المرة باحثين عن المدينة الضائعة، ولكن تغيَّر الزمن، والدولة، مبدئيّاً، تحافظ على الآثار، وأهالي القرية بدأوا يبدون اهتماماً بالموقع. فحفريات كهذه قد تزيد حماستهم للعمل.
لمجدل عنجر آثار أخرى، ففي وسط القرية ترتفع المئذنة التاريخية، التي يرجّح أنها كانت، في القرون الوسطى، تُستعمل برجاً للمراقبة، ومركزاً عسكرياً، ثم تحوّلت مئذنة ترتفع لنحو 12 متراً. ما يميّز هذا المعلم هو السلّم اللولبي في داخلها، الذي يتطلب تنفيذه قدرات هندسية عالية. وكانت المئذنة قد تعرضت لعمليات تخريب ونهب خلال سنوات الحرب، ولكن المديرية العامة للآثار أدخلتها ضمن لائحة الجرد العام عام 1997، وعمدت إلى ترميمها وإنارتها. ويقول خالد إنه منذ ذلك الحين غاصت المئذنة في النسيان. الهدف اليوم هو إعادة الاهتمام بهذه الآثار. لذا، سيعمد نادي البلدة إلى تنظيم حملات توعية وإرشاد بشأن أهمية آثار مجدل عنجر وحمايتها من أيدي العابثين، كما أنه سيحاول حثّ المسؤولين على إعادة جدولة المدينة على لائحة اهتماماتهم.


عنجر موقع يقبع في الظلام

نقولا أبو رجيلي
لم تعد مدينة الأمويين تستقطب الزوار كما في السابق، وبدأ حال الموقع يتراجع شيئاً فشيئاً. «كأن هذا المكان التاريخي يتيم، لا أم له لتبكي عليه»، بهذا القول المأثور يستعين المرشد السياحي في القلعة هنري بغداصريان ليصف الحال السيئة التي وصلت إليها المدينة الأثرية. فمسالك السراديب المجهّزة بفتحات للتهوئة، والتي كانت قد حفرت في الحقبة الأموية، وهي على شكل مكعّب بعلوّ 4 أمتار والعرض ذاته بغرض تصريف المياه المبتذلة، كانت تجذب السياح الذين يتجولون داخلها لمسافات تمتد على طول مساحة الموقع وعرضه. ولكن هذه المصارف باتت تغرق بالأتربة والأوساخ ولا يعمد أحد إلى تنظيفها وتأمين الإمدادات الكهربائية لإنارتها. والإنارة في موقع عنجر مشكلة خاصة. فالشبكة الحديثة التي كانت قد وضعت في الموقع أتلفت وتعرضت للأعطال. ويسأل المرشد عن سبب التغاضي عن صيانتها حين تدعو الحاجة بعدما كان قد صرف على تجهيزها الملايين من الليرات اللبنانية. لذا، فمدينة الأمويين تغص بظلام حالك خلال الليل، فالإضاءة معدومة كلياً في الداخل والخارج، وأعمدة الإنارة المحيطة بأسوارها، لم تغذّ بالطاقة الكهربائية منذ سنوات. هذا بالإضافة إلى أن الأشجار على الموقع بحاجة إلى تشذيب، فأوراقها والأوساخ التي يخلّفها السياح تنتشر بين الآثار. ويؤكد بغدصريان وهو يلتقط في يديه بعض علب السجائر الفارغة وقناني المياة البلاستيكية المرمية في الزوايا وعلى الأرض «أن هذه الصيانة لا تحتاج إلى جهد أو مبالغ كبيرة، ويمكن أن تقوم بها أي من الجهات المسؤولة عن الموقع لو توافقوا على ذلك».
بدوره، رئيس بلدية عنجر سيبوه سقيان، ينفي ما يتردد عن «تقاعس البلدية من القيام بمسؤولياتها تجاه الموقع»، موضحاً أن الإمكانيات المادية لبلديته لا تسمح بتغطية نفقات إنارة المدينة ومحيطها وصيانتها.
وأكد سقيان أن البلدية تؤمن دفع رواتب ثلاثة من موظفي الموقع الذين يبلغ عددهم تسعة. ويقول سقيان إن رسم دخول الموقع الذي تتقاسمه البلدية ووزارة المالية بالكاد يغطي رواتب هؤلاء الموظفين الثلاثة. أما بالنسبة إلى الستة الآخرين الذين تعينهم وزارة الثقافة فيتناوبون في العمل خلال النهار، وتغيب الحراسة الليلية عن المدينة القابعة في الظلام والمصنفة لأهميتها على لائحة التراث العالمي.