خلال الأسبوع الماضي، تناقلت الألسن في منطقة الضاحية الجنوبية شائعة اختلفت روايتها في فصولٍ كثيرة، لكنها اتفقت على أن أحد الأشخاص تنبّأ بأن حرباً بين لبنان وإسرائيل ستندلع في 5 أو 12 أو 15 شباط الحالي! هذه القصة تشير بوضوح إلى هاجس شارع بات يتوقّع حرباً رغم كل التطمينات


أيمن فاضل
اسمه أبو يوسف، يؤكد أحمد عوّاد. وعواد، الذي كان واقفاً بين بضعة شبّان أمام مقهى إنترنت في منطقة الغبيري، كان يروي لهم عن عجوز قال إنه يقطن في منطقة خندق الغميق، وإن هذا العجوز الذي اسمه أبو يوسف، كان قد طلب مقابلة «السيّد» (حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله) قبل حرب تموّز ليخبره بأمر مهم. لكنّ الحرس في مقر الشورى، حسب «الراوي»، رفضوا إدخاله! فقال لهم إن حرباً ستندلع في 12 تموز، لكنهم «صمّوا آذانهم ولم يقابله». يقاطعه صديقه حيدر الدبس: «مش هيك»، يقول له، ثم يتولى الرواية من الأول بنفسه، بأسلوب متقن كالحكواتي: «بعد إلحاحه، عادوا وسمحوا له بالدخول. عندها قابل السيّد وأخبره بأن هناك حرباً ستدوم 33 يوماً، وسيكون هناك دمار وشهداء وانتصار. وهكذا كان. وفي أول يوم من أيام عاشوراء هذه السنة، طلب مقابلة السيّد مرة أخرى، فأدخلوه، فقال له إن حرباً أكبر من حرب تموز مقبلة، وأنها «ستدوم 55 يوماً، وسيكون الدمار فيها أكبر والشهداء أكثر بكثير. لكن، مرة أخرى، سيكون هناك انتصار رغم ذلك». يتابع الشاب «روايته»، فزعم أن السيّد سأل أبو يوسف عن موعد هذه الحرب، فقال له إنها «في الأربعين»، فسأله نصر الله: «أربعين الإمام الحسين؟» (الذي كان أول من أمس) فسكت أبو يوسف وخرج». ثم يلقي حيدر «بقنبلته» بلا مبالاة: «توفي الرجل وسيصادف أربعينه 12شباط الحالي».
الرواية نفسها ستختلف بعض تفاصيلها بين منطقة وأخرى ومن راوٍ إلى آخر، حيث يقول أحد الشبّان، رفض الإفصاح عن اسمه، في منطقة حارة حريك، إن حزب الله يُعدّ للمواجهة المقبلة، لكنّ عناصره يطمئنون الأهالي للحفاظ على سرية الاستعدادات! يتابع «مصحّحاً»، أن الشخص الذي أسرّ للسيّد «بالنبوءة» اسمه أبو قاسم لا أبو يوسف، وأنه تنبّأ بحرب تموز ولم يسمح له بمقابلة السيّد، ومنذ فترة طلب محادثة السيّد فلبّي طلبه، وأبلغه أنه (أي أبو قاسم) سيموت في العاشر من محرّم وأن الحرب ستندلع في 5 شباط، (أي أمس)! وتقول رواية أخرى، على لسان فتاة، إنها سمعت عن شخصٍ أتاه الإمام المهدي في منامه وكلّفه بأن يقول للسيّد إن الحرب ستندلع في أربعينه، حيث تصادف ذكرى أربعين وفاته في 15 شباط.
هذه نوردها من أجل القول إن انتشار الشائعات، وخاصة ذات الطابع «الغيبي»، يحظى بتجاوب كبير بين الناس هذه الأيام.
وتجد الرواية، بتعدّد صياغاتها، الكثير من المؤيّدين والمعارضين والمستهزئين، إذ يؤكد سمير دبوس، أحد الذين استطلعتهم «الأخبار» في منطقة الضاحية الجنوبية، أن هذا الكلام لا يعدو كونه شائعة، لكنه يشي بمدى الاحتقان نتيجة التهديدات الإسرائيلية المتزايدة، ولا يستبعد أن يكون حزب الله نفسه مسؤولاً عن وضعها في التداول لكي يبقي احتمال الحرب قائماً من جهة بين الناس، كما يظن، وخصوصاً أن الرواية تتحدث عن «انتصار» فتؤدي دورها في الحفاظ على معنويات الناس، ومن جهة ثانية ينفي الحزب رسمياً إمكان اندلاع أي حربٍ في المدى المنظور، طبقاً لضرورات الوضع السياسي الراهن الذي يتّسم بالتهدئة!
لكن ما هو موقف الحزب من تلك الشائعات؟ ألا يسمعها بأذنيه تنتشر كالنار في الهشيم على أرضه؟ يقول النائب عن حزب الله نواف الموسوي بعد اتصال من «الأخبار» لسؤاله عن رأي حزب الله في انتشار هذه الشائعات، إن «موضوع الحرب لا يعالج بهذه الطريقة، فهو ليس خاضعاً لا للتبصير ولا للتنجيم، بل بناءً على معطياتٍ وإشاراتٍ سياسية وعسكرية»، مشيراً إلى أن المعطيات الإقليمية والمشهد الأميركي والإسرائيلي لا يؤشران إلى إمكان اندلاع حرب في الأسابيع المقبلة، ومؤكداً أنه لا أساس دينياً لهذه «التنبؤات». ففي عقيدتهم قول للإمام علي: «لولا آية في كتاب الله لأنبأتكم بما كان وبما سيكون إلى يوم الدين». ويشير الموسوي إلى أن «أمير المؤمنين» قصد الآية القائلة: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب) مؤكداً أنهم يقولون إن الله يمكن أن يؤجّل أو يغيّر أو ينقض ما كتب.


الشخص الذي أسرّ للسيّد «بالنبوءة» أبو قاسم لا أبو يوسف
ويقلّل الموسوي من أهمية الشائعات، مؤكداً أننا شهدنا مثلها في عام 2006 عندما أشيع أن حرباً ستندلع في تشرين الأول، وفي عام 2008 قام الكثير من اللبنانيين بالاستحصال على جوازات سفر بعد انتشار شائعات مماثلة، وفي عام 2009 تحدث أحد المنجمين عن حربٍ إسرائيلية في تشرين الأول لأن الكواكب ستصطف كما كانت في عام 1982!! مذكّراً بأنّه لم تحصل أيّ من هذه التنبؤات، وبالتالي فهي تبقى في خانة «الشائعات وتوقعات المنجمين»، بحسب الموسوي، الذي أردف بأن الشارع يمكن أن يتفاعل رفضاً وقبولاً مع هذه الشائعات، معتبراً أنها قد تكون محاولة للمس بالمعنويات، لكنّ الناس أظهروا ثباتاً في مواجهتها واستعداداً لكل الاحتمالات، بما فيها الحرب.
خلاصة القول، إن هناك أرضاً خصبة لازدهار الشائعات. فمن هو المسؤول عن النشاط اللافت للخيال الشعبي الذي استطاع وضع تصوّرات للحرب المقبلة؟ هل هي حالة التهديدات الإسرائيلية والاستعدادات التي تبقي خيال الناس متوقّداً لنسج كل جديد، أم حالة الإيمان العامة بالماورائيات؟ وما هو الدور الذي يؤديه الإعلام الذي يخصص هواءه لساعاتٍ يسمع خلالها الناس تنبؤات مبنية على التبصير والتنجيم، وهو ما يكون له أبعد الأثر في تغذية الخيال الشعبي بالروايات الماورائية، وذلك بدل تنمية ثقافة المشاهد عبر استضافة خبراء اختصاصيين للحديث عن المواضيع المهمة والمصيرية.