أنسي الحاج

■ مفهوم قديم
يجب أن نعود إلى المفهوم القديم للعلّامة، حين كان الطبيب فلكيّاً وفيلسوفاً وشاعراً وفقيهاً وعالم رياضيّات وكيميائيّاً وخبير لغات ومتبحّراً في التاريخ والجغرافيا. الفارابي، ابن سينا، الرازي، ابن رشد... الحكمة والفنّ، المعرفة الشاملة. فلاسفة الإغريق كانوا متضلّعين أيضاً من النجامة. الاختصاص انسحاب من الأوسع إلى الأضيق، عكس الحكمة التي هي انطلاق من الأضيق نحو الأوسع لأجل رؤية الكل في أجزائه، فلا يحجب الكلّ تفاصيله ولا يحجب التفصيل ما قبله وما حوله وما بعده.
إنّ ما هو تحت صورة عمّا هو فوق، كما يقول هرمس المثلّث العظمة. تلك هي قاعدةُ فهم الأسرار، ابتداءً من الجسد وانتهاءً بالمجرّات.
لا بدّ طبعاً من الانشغال بالفرع عندما يصاب أو عندما يتميّز، شرط أن نربطه بالأصل كما هي حبّة الزرع مربوطة بالكون. في الطبّ كما في اللاهوت وفي الحواس كما في تجريد العقل.
ليس شيء بمفصول عن شيء. ما يبدو منعزلاً، في الهيئة الاجتماعيّة كما في الطبيعة، يكون، تحت القشرة، أبعد تواصلاً مع المحيط ممّا هو المندمج والمختلط.
كلّما أوغل الاختصاصي في اختصاصه ازداد إكباره لروعة الوحدة. وحدةُ الكون هي، بين باقي الوحدات، الوحيدة التي حافظت على التنوّع إلى حدّ أوهمنا بأن الجزء مستقلّ عن الجزء وكليهما مستقلان عن الأمّ الكبرى. ذلك هو إيهام الاستقلال، وهو في الحقيقة لعب في الحديقة. وسوف نصل إلى يوم يصبح فيه العلّامة نفسه، العلّامة الكوني من الطراز القديم، اختصاصيّاً بالقياس إلى نموذج عقلي وشعوري أوسع إدراكاً منه وأشدّ تضلّعاً من كل جزء على حدة، معاً.
المعادلة المثلى كانت ولا تزال: الشاعر ـــــ العالِم.


■ إلى سحر القدرة
هل هناك انتصارٌ في الكتابة؟ ربّما، إذا لم يقصد الكاتب تحقيق انتصار. الفنّ لا يسعى إلى انتصار كما لا يسعى إلى انكسار، وحتّى الرواج نجاح وليس انتصاراً.
الشائعُ أنَّ ما يبقى من الأثر ينتصر على الفناء، ولكنْ إذا أنعمنا النظر في هذا «الباقي» قد لا نجده قائماً إلا على احتمال الهزيمة، أو بفعل المقارنة بين مشروع الخلّاق ومصيره، كالمتنبّي أو رمبو، أو الفواجع الإغريقيّة والشكسبيريّة والدوستيوفسكيّة، وكلّها صرخاتٌ في أودية، صرخاتٌ تبلغ حدّ الروعة، لكنّها لم تنتصر على القَدَر ولا غيّرت الحياة.
وستبقى الفنون، وفي طليعتها الكلمة والموسيقى، أكبر تكثيف للحياة ينتهي بالسقوط كما سقط «إيكار»، من الآن وإلى أن تنتقل ذات يوم، ومعها الكائن الحيّ جميعه، من قدرة السحر إلى سحر القدرة.


■ أيّ روح؟
يقال عادةً: الحلوةُ فارغة. لماذا لا نعتبر فراغها انعكاساً لعينيِ الناظر؟ ويبرّر القائل قوله بأنه بَحَث عن روحها فوجد هذه الهيئة الجذّابة ولم يلمس الروح. لكنّه لم يلمسها لأنه كوَّن عنها سلفاً صورةً محنّطة: الروح ليست فقط واحدة من الفضائل المكرّسة، بل هي أيضاً معانٍ أخرى، أحدها هو عجز الصيّاد عن العثور عليها. وعقابه على ذلك يكمن حيث يكمن ثوابه: في استمرار سعيه إلى اكتشاف ما وراء قناعها...


■ جَزْرٌ ومَدّ
جسدكِ قيل إنّه قناعٌ للموت، فليكنْ، ولكنّه قبل ذلك وبعده مساحة متموّجة لحركة الحياة. هذا البحر الذي يُغرِق هو نفسه يسافر بالمسافر، ويحمل السابح إلى الشاطئ والسائح إلى المجهول، ويحفظ الأوهام الذهبيّة في قاعه حتّى مجيء الوقت لطالبيها.

■ تحت رحمة الخيال
أغلى «المواد» ليست النفط ولن تكون الماء، لم تكن الذهب ولن تكون الماس، ولا «المواد» البشريّة كالأعضاء التي راجت تجارتها، ولا حتّى أجمل امرأة في العالم. أغلى مادة على الإطلاق هي الخيال. بدونه لا قيمة لما نرى له قيمة.
أحياناً يتراءى لنا، تحت وابل المنافسة الهائلة في ميدان القصّة والسيناريو والمقالة وتصميم الأزياء والهندسة والإخراج والرسم والرقص وغير ذلك من أبواب الخلق الذي لا تقوم له قائمة بدون خصب المخيّلة، أن هذه المخيّلة قد أُنهكتْ وباتت المخلوقات تتشابه.
لا مفرّ من التقليد ومن التشابه، تلك قواعد «هواء الزمن» أو المناخ السائد. فنّ عصر النهضة تتقاسم روائعه روابطَ مشتركة. كذلك أجيال الشعر كلٌّ
بدوره. كلّ عقدٍ من عقود هوليوود له دمغة مميّزة. وصولاً إلى تصفيفات الشعر وموديلات السيّارات واليوم الكومبيوتر والخلوي. لا يزال الخيال يضيف، وأحياناً يتراجع ليتقدّم، مهما تراءى لنا أنه يجترّ نفسه.
المحكّ الحقيقي هو العلاقات البشريّة، والخطر الأكبر هو عليها: لقد رفع التحرّر الأخلاقي كل ستار «خارجي» عن الجسد وعن الخلاعة حتّى بات مشهدهما مألوفاً بل مبتذلاً ومملّاً. الوقاحة نفسها في هذا الميدان ـــــ كالوقاحة الكتابيّة ـــــ لم تعد فاعلة. قول «الحقيقة» لم يعد يشكّل صدمة. الفضيحة لم تعد فضيحة.
أصبح كل واحدٍ تحت رحمة خياله، فإمّا يُنْجده وإمّا يخونه. والجميع تحت رحمة خيال «عمّال الخيال» من أهل الفن والكلمة والزيّ والعطر والغناء... وآداب السلوك أوّلاً.
كلّ تقدّم للحضارة ينتصب أمامه فوراً جبلٌ جديدٌ إن لم تتسلّقه لا مفرّ لها من التوحّل والانحدار.

■ الرأي الخاص العام
الحلم بزمنٍ يصبح فيه الرأي الخاص والرأي العام واحداً. يوم يتكلّم الخطباء كما يفكّر المنفردون في غرفهم. نشرُ «الحقائق» كما تدور في العقول الهادئة، حين تناجي نفسها ولا تصيح في الجماهير. هكذا يحوّل الخاصُّ العام بدوره إلى خاص. وكلّما خفّف الخطيب من الصراخ ازداد حظّه من الإقناع. لكن الأهمّ من خفض الصوت هو، لدى الإصغاء، أن يرتفع إحساس كل فرد من الجمهور بقيمة إنسانيته.
لتوضيح الفكرة: أشدّ الغناء قرباً من النفس هو ما يشعر المستمع كأنه يحكي بلسانه ويخاطبه هو وحده، وأسوأ أنواع الأغاني ذلك الذي يتوجّه إلى العموم، ولعلّ أكثره شيوعاً الأناشيد الوطنيّة.



عابـــــرات

غيوم السماء مغزولة من أكاذيب العشّاق.
■ ■ ■
تحمي حريّتك بأنانيتك، ولكنْ لا شيء يحميك في رياض حريّتك كحبّ الآخر لك.
■ ■ ■
لا تقل «قلبي لا يشيخ»، فهذه فضيحة إضافية.
■ ■ ■
أكثر مَن يعشق الليل خائفوه. أكثر مَن يعشق النساء خائفوهنّ. العشّاق جبناءُ شيءٍ دائماً.
■ ■ ■
كتابةٌ لا توحي لقارئها السرقة، مثل امرأةٍ لا توحي لناظرها الشهوة: كلتاهما «مَحميّتان» حتّى الموت.
■ ■ ■
إذا قلّدتَ أحداً فلا تزد عليه، بل خفّف منه، مثل الصناعة اليابانيّة...
■ ■ ■
ابتسامة الخبيث أولى ضحاياه.
■ ■ ■
الجمال يُخجل لحظةَ الموت نفسها.