يتربّع هاروت سونغوليان على سجّادة قوقازيّة، متفحّصاً جودتها من وراء نظّارتين سميكتين ويشير بأصابعه إلى أماكن التلف قبل أن يتمتم مبتسماً: «برجّعها جديدة». هاروت الذي تعلّم حياكة السجاد وترميمه من والده منذ السّتينيات، يصرّ على أن صناعة السجاد فنّ تماماً كالرسم أو العزف


أليسار كرم
هو الذي يستمتع برسم السّجاد المنمّق في خياله قبل أن يحوكه بأنامله، ويجسّد الصّور الملوّنة بالقماش والصّوف. يجيب بحماسة كلّما سئل: «لم أعمل يوماً في حياتي تحت إدارة أحد لأنني أعرف مهنتي وأحبّها ولا أتنازل عن النّوعية والذّوق من أجل التّجارة. أنا المعلّم. وهذه السّجادة التي أتلفها الماء والعثّ يمكن أن تُرقّع بذكاء ودقّة من دون أن يلاحظ أحد أنها مُرمّمة. فقد اعتدت إبهار كل من يسلّمني قطعة بالية فاقداً الأمل باسترجاعها».
يستوي هاروت على السّجادة المزركشة التي سجد عليها في منزله الدافئ، ويسهب في الشّرح قائلاً: «هذه قوقازية (أرمنية) وتلك أصفهانية (إيرانية) أما هذه فصينية». ثم ينظر بازدراء إلى سجادة مرمية جانباً، ويقول: «هيدي أرخص شي، شغل ماكينات». لكنه لا يخفي أن السّجاد «الرخيص» مطلوب وأنه أحياناً يتفنّن باستخدام قطع منه ويصلها بعضها ببعض لتصبح كالفسيفساء.
يلقي بجسده النحيل على ركبتيه ويتحرّك بليونة مدهشة، يتناول قطعةً منمّقة تتداخل فيها الخطوط والألوان، يتحسّسها بيديه ويرفعها صوبه بحنوّ، قائلاً: «هذه السّجادة القديمة مهترئة. كانت موجودة في إحدى الكنائس قبل أن يظنّ البعض أنه لا بد من رميها. لكن، في «مصلحتنا»، لا مجال للهدر ورمي الأشياء. فهناك قطع صغيرة لا تزال بحالة جيدة ويمكن الاستفادة منها. «المعلّم بيعرف». يجب أخذها وحياكتها على الأطراف لتتحول إلى شلحات، أي سجادات صغيرة، أو لتتحوّل إلى غطاء للوسادات. التّلف في السّجاد كالسّرطان في الجسم، يمكن استئصاله قبل أن ينتقل إلى أماكن أخرى ويفسدها».

يلقي بجسده النحيل على ركبتيه فوق السجادة ويتحرّك بليونة مدهشة
وفيما هو يعيد القطع إلى أماكنها ويرتّبها قبل أن يقف عن الأرض، تمازحه فيرجيني زوجته بقولها: «ما بيركع إلا للسّجاد»، وتضيف: «هاروت عصبي ولجوج، غير أنه عندما يجلس على السّجاد ويشمّ رائحته، يهدأ، وينفصل عن العالم من حوله. حتى إنه ينسى أن يأكل أو يشرب، ولا يشعر بالتّعب يتسلّل إلى جسمه».
يهزّ هاروت برأسه ضاحكاً لكلام رفيقة عمره. يحاول أن يجد له مكاناً بين وساداته التي فرشها على الكنبات في الصالون المتواضع. يستوي في جلسته آخذاً نفساً عميقاً قبل أن يجول بنظره على الجدران المزينة بالرسوم والصّور المنسوجة بدقّة. يتذكّر هاروت أيام تعلّم الحياكة والتّرميم من والده، عندما كان عمره 13 عاماً. «كنتُ في السّن المثالية لتعلّم هذه المصلحة، وكان محلّنا في السّوديكو ينافس أسماءً كبيرة ومشهورة ويجذب أهمّ شخصيات البلد، من آل أرسلان وجنبلاط وفرعون وتابت وغيرهم من الوجهاء. وكنت أنوي التوسّع بالمهنة وتطوير العمل، غير أن الحرب بدّدت هذه الأحلام». ويتابع: «مؤسف أن أثرياء اليوم يفضلون السّفر لشراء السّجّاد، ظناً منهم أنه يتمتع بجودة أفضل، ويعزفون عن شراء السّجّاد المحلي، أو ربما كل ما هو محلّيّ! ولولا أنني أشترك في معارض عديدة داخل لبنان وأحمل معي أدواتي لأعمل أمام الجمهور، لما وجدت زبائن لمنتجاتي اليدوية. فزبائننا هم غالباً من السّياح وروّاد المعارض التقليديّة، وبعض أولئك الذين لديهم قدرة شرائية جيّدة. في أوروبا يرون أنّ البسط المزخرفة والسجاد اليدويّ ثروة فنية ويُعجبون بمثل هذه الأعمال».
ينتبه هاروت إلى انفعاله الظّاهر، فيسترخي قليلاً على وساداته ثم يستأنف الكلام: «اليوم أنا موظّف في بلديّة برج حمود حيث عملتُ شرطيّ سير قبل أن أعمل داخل مكاتب البلدية. أنا أجدها مجرد وظيفة لا أكثر، غير أن العمل الذي أحبّ هو هذا»، يقول ذلك وهو يفتح ذراعيه فوق السجاد المنبسط على الأرض كأنه يلمس فوقه هالة قداسةٍ ويعانقها.
يشرح بحماسةٍ وعفويّة كيف ألبَس الوسادات أو «الطرّاحات» رداءً يضجّ بالحياة والألوان، ويزيدها جاذبية، لترضي مختلف الأذواق وتلائم كل الأماكن. يتحايل على الخطوط ويزاوج بين الأقمشة فيحوكها بذكاء وترتيب. لا يهمه طولها أو عرضها، متانتها أو هشاشتها، سماكتها أو ركاكتها «أنا أتحكّم بها وأسوسها، لا العكس». يضحك من العصفور «تويتي» المزهوّ بنفسه على وجه إحدى الوسادات القطنية الكبيرة، لأنه يعلم أن وجهها الآخر يكشف عن قطعة حاكها حرفيّون، مثله، على النول وجعلوها سميكة كالسجاد. «هذه تصلح لغرف الأطفال فأنا أُلبس الوسادة التافهة، ما يجعلها جذّابة للزّينة أو صالحة للاستعمال. أما تلك فيمكن وضعها في غرفة الجلوس لأنها أكثر رصانة، وهي كلاسيكية تتكيّف مع الديكور خلافاً للطراحة المنمّقة التي تتدلى منها الشراريب لأنها شرقية بامتياز». ويتابع: «قد أستخدم الرسوم التقليدية كالأشجار والورود والنجوم والحيوانات والطيور وشخصيات الرسوم المتحركة كي أساير الذوق الحديث، ولا أنسى أن أستخدم الألوان الرائجة للموبيليا وأثاث المنازل. وألبي رغبات الزبون الذي يأتيني برسمة معينة يريدني أن أضعها على وسادة خاصة به، وأنفذها على نحو تقريبي. قد تكون هذه الطريقة الوحيدة لأحافظ على البريق والشعبية الواسعة لعملي اليدوي».
أبناؤه الأربعة يستمعون إلى كلام حفظوه، ويتحدّثون عن شغف والدهم كأنه شغفهم. غير أنهم يصرّون على أن هذه الصّنعة متعبة وليست لهم. يُعجبون بقدرة والدهم على تحويل الخرقة إلى تحفة، ويرون في عمله إبداعاً ودقّة لا يحتملان أي تشويش. يروون كلٌّ على طريقته كيف أنه توقف عن العمل ولم يعد يستطيع التركيز بعدما توفي والداه تباعاً منذ قرابة سبعة أشهر، لتأكيد أن هذه «المصلحة» هي فنّ، وإن كان هاروت يتهرب بتواضع من القول إنه «فنان».
لا يكفّ هاروت عن ملاطفة الجميع. ولا يتردّد بالردّ على أيّ استخفاف. يعرف «المعلّم» أصول المهنة، لذلك هو يرمّم ويصلح لهم العيوب.
يغيّر الحديث، فيقول إنّ «الحياكة على النّول تستغرق وقتاً طويلاً، ولا عجب أن عائلات بأكملها كانت تتعاون في العمل على إنهاء سجادة منزلية «مترين ونصّ بمترين» لتنجزها خلال سنة أو أكثر. أنا أفضّل اليوم أن يقتصر عملي على التّرميم، وخصوصاً أنني حوّلت منزلي إلى ما يشبه المصنع، لكنّني سأستقرّ في السّوق، في شارع مَرعش». هذا الشارع الذي يحمل اسم منطقة أرمنية «سلبتها» تركيا، وفق تعبير هاروت، كما شارع «أرمينيا» و«أراكس»، يحتضن عمّالاً وحرفيّين أرمن تميّزوا بإصرارهم على الحفاظ على إرث حضاري ميّزهم في المجتمع اللّبناني على الرغم من انصهارهم فيه، وتمسّكوا بانتمائهم إلى ثقافة عنوانها جمال «التنوّع» وأناقة التّشكيل.


الإبرة المعلّقة

تناولت فيرجيني صندوقاً صغيراً بصعوبة عن الشّرفة التي تحوّلت مستودعاً. أفرغته تدريجاً. «هذا علم لبنان نسجه ابني بعدما تعلّم الحياكة، وهذه «باتشوورك» لابنتي. أما هذه، فألوان علم أرمينيا». ثم حضنت بيديها سجّادة قديمة، مشكوك بطرفها إبرة وخيط أحمر «هذه الإبرة تركها هنا منذ 7 أشهر والد هاروت حين توفي».