بعيداً عنكم... في وسَط العاصمة



ضحى شمس
ما إن انعطف الفان الرقم 4 عن طريقه الاعتيادي، حتى بدا كأننا دخلنا لتوّنا عالماً آخر. فقد فوجئ سائق الفان، وهو يستعد للانحدار صوب نزلة برج المر، بأنّ «العجقة اليوم واصلة لدقن السرايا»، يقصد «الحكومية» الواقعة إلى يميننا فوق الجسر، فما كان منه إلا أن انعطف إلى اليمين، داخلاً في شارع فرعي صغير كنت أظنّ أن دخوله ممنوع، أو هذا ما كان راسخاً بقوة في ذاكرتي منذ الاعتصام الشهير للمعارضة، حين سوّرت السرايا نفسها ومحيطها من البيوت والدور والجنائن بالأسلاك الشائكة، منعاً لاشتراكات غير محمودة قد تنجم عن اختلاط محبي الحياة، وزعيمهم الشعبي فؤاد السنيورة أيامها، وكارهيها من سكان الضواحي البشعة الحسودين لمحبي الحياة والمعارضين لهم «ضيقة عين». كأننا اخترقنا جداراً لامرئياً إلى عالم آخر، أو كأننا كنا ننظر إلى بطاقة بريدية جميلة لبيروت. وإذا بنا، كما في أفلام الخيال العلمي، ندخل فيها، من المكان نفسه الذي التقط المصور الصورة. ما إن اجتزنا تلك الأمتار القليلة، حتى انبسطت أسارير الوجوه، وفُتحت عدستا عينيّ اللتين كنت قد أوصدتهما لحماية روحي بقرار. فوسط كل هذه البشاعة التي تمعن بيروت في تكبيدها لجسد فسحتها العامة، كأي شخص يكره نفسه، لا بد من الدفاع عن النفس، ولو بإقفال العيون.
لكن، أين أنا؟ أهي الجنة المواطنية الموعودة؟ كل شيء في مكانه، مشرق الألوان: طرقات مرصوفة بحجر جميل، دور لا ترتفع أكثر من أربع طبقات مصمّمة ومنفذة بعناية من سيوقّع اسمه أسفلها، أُصُص الزرع معلقة على الشرفات، حدائق صغيرة حول المباني، زيتونة في الوسط، ممرات داخل الحديقة ولو كانت صغيرة. الشوارع والأبنية مرقمة بأناقة، فيما ثُبّتت بضعة صناديق بريد جميلة على مداخل المباني. ركاب الفان «المبهدل» الذين «يحبون» الفان مثلي ويفضلونه على النقل العام المحترم الذي وضعته الدولة بتصرفهم، كانوا ينظرون كالسياح إلى «المناظر» التي يمرّون بها من شبابيكهم، نوافذ الفان، التي لم تُصمَّم أصلاً لينظر منها أشخاص، تماماً كمقاعده التي ارتجلها ميكانيكي، آخر همه أمان الركاب. لا بل إنهم فغروا عيونهم، لا أفواههم فقط، بدهشة من يتمشى في مدينة لا يعرفها. دام مرورنا لحظات، فالشارع يمتد لعشرات الأمتار فقط، بعدها، سرعان ما وجدنا أنفسنا في بيروت اليومية، على تقاطع المر ـــــ القنطاري وسط الزحمة مرة أخرى.
بالسرعة التي امتلأت فيها العيون بالراحة، فرغت منها لتترك مكانها للحزن. حزن المحروم من المساواة في الفسحة العامة، وحزن الأسئلة: لماذا؟ لماذا ليست كل بيروت هكذا؟ لماذا ليس كل لبنان هكذا؟ لماذا يُغَضّ النظر عن العشوائية والمخالفات التي تضاف إلى إهمال الدولة لواجباتها. لماذا هذا التمييز في الفسحة العامة نفسها، المشتركة بيننا كلنا؟ لم الاستعلاء على الناس؟ ولماذا يتهاون هؤلاء، أي نحن الناس، بحقهم في شوارع ومبانٍ وحدائق وأرصفة جميلة؟ أصلاً هل يعلمون أنها من حقهم؟ الفسحة العامة في المناطق التي لا يسكنها «مافيوزات» الدولة، متروكة لبقية «المواطنين» يهندسونها على «ذوقهم»، وهذا الذوق «الفردي» مهما قيل فيه، لا يجوز أن يتحكم بالفسحة العامة. فالنتيجة ستكون حكماً موزاييك من الأذواق المتنافرة، ولو كان كل منها وحده كاملاً. ولتلافي هذه النتيجة بالضبط، وضعت القوانين التنظيمية. لكن من يطبقها؟ لا أحد. لماذا؟ لأنه لا رقابة على التطبيق. لماذا؟ لأنه لا رقابة على مراقبي حسن التطبيق ولا رقابة على مراقبي مراقبي حسن التطبيق. ومن هم مراقبو مراقبي حسن التطبيق؟ نحن، بكل بساطة. الرأي العام، سائر المواطنين، الذين لا يقومون بواجباتهم في الرقابة على عمل الحكومات ومؤسسات الدولة. نتكيف مع الموجود بعد بضع شكاوى. نساوم على حقوقنا ونتعب بسرعة متسائلين بفولكلورية: «وينيي الدولة؟»، أو «ما بقى فينا نتحمل»، كما يحب الرحباني، زياد، أن يسخر منا في مسرحياته. نظن أن الدولة وحدها، خلقة، جزء من طبيعتها يعني، أن تعطي الناس حقوقهم. لم يقل لنا أحد إن الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية معركة يومية، يسقط فيها جرحى وقتلى أحياناً. وكلما كانت نتيجة جهد، صارت خسارتها صعبة.
أما حين يحل يوم الحساب، السياسي؟ فلا نعاقب المسؤولين عن تدهور أحوالنا، بل نقبل رشوتهم كل أربع سنوات، نفعل ذلك أمام أولادنا الذين يتعلمون سريعاً أنهم أيضاً مواشٍ في قطيع الزعيم. من يترك نفسه يعامل كبهيمة في قطيع غنم، سيعامل كبهيمة في قطيع غنم. لذلك ستتحول الفسحة العامة حوله إلى شيء أشبه بالزريبة، المكان الطبيعي للقطعان. كلام قاس؟ ربما. فكثيرون يودون التغيير، لكنهم يجدون أنفسهم وحدهم. يدعون إلى تظاهرة، فلا يأتي إليها إلا «زرافات ووحدانا»، أما الملايين، فـ«كرمالك نازلين». ليتهم ينزلون لمرة واحدة «كرمالهم»، كرمالنا. «نازلين بالملايين» ليبقى «البلد ماشي»، كما يقول الملصق: هو في طريق وهم في طريق آخر تماماً.