من مال الله يا محسنين». لن ينجو المارّة هذه الأيام من متسوّلي موسم الأعياد السارحين، مستغلّين تغاضي رجال الأمن عنهم لأيام، تليها عودة هؤلاء لمحاولة إخراجهم من الشارع. فإلى أين يذهبون؟ وكيف يعودون إلى الشارع؟


راجانا حمية
رمت رنا بجسدها النحيل من شرفة الطبقة الثانية في «بيت الرجاء للرعاية الاجتماعية». هوت كمنديل ورقي فوق إحدى شجرات البستان المحاذي. كان يمكن أن ينتهي ذلك بسقوطها، لكنها نهضت كأن شيئاً لم يكن، فيما نزلاء البيت الباقون، «زملاؤها» من المشرّدين السابقين، ينظرون إليها من النوافذ، وهي ترحل برفقة امرأة.
عادت الصغيرة إلى الشارع. لم يعد مهماً ما كانته في البيت، فكل ما تحتاج إليه والدتها، هو صغيرتها نفسها لتكمل عدة الشغل: اصطياد «الحسنة» من المارة.
لا تختلف هذه القصة في شيء عن حياة «زملاء» رنا: الذين يفرّون من بيت الرعاية المخصص للأولاد المشرّدين، أو يبقون في المؤسسة الوحيدة المعترف بها رسمياً لرعاية أطفال الشوارع. ففي معظم الأحيان، هكذا هي حياة الأولاد المتسوّلين هنا: من الشارع وإلى الشارع يعودون. لكن، بعد فاصل قصير لا مفرّ منه، فاصل يبدأ عادة بعد قرار المحافظ الموسمي، لملمتهم من الشارع تطبيقاً لقانون منع التسوّل. لكن ماذا بعد لمّهم؟ ما هي وجهة سيرهم التالية؟ إلى أين يؤخذون؟ هل يعاد تأهيلهم تمهيداً لإعادتهم إلى المجتمع لا إلى الشارع، عمالاً أو تلامذة لا متسوّلين؟ أم هو قرار لحظوي، لا طائل منه إلا «حبسهم» لفترة، ثم غضّ النظر عن «هروبهم» مرة أخرى، إلى أن «تطلع الصيحة» مرة أخرى؟
تبدأ قصة «اللمّة» مع القوى الأمنية. في المرة الأولى، لا ينتظر العنصر الأمني قراراً من أحد ليقوم بواجبه. فبحسب القانون، هو مخوّل قمع المخالفة لحظة وقوعه عليها، أو من خلال بلاغ مواطن. وبما أن التسوّل قانونياً مخالفة، فلا بد من اتخاذ المناسب. عادة، في المرة الأولى، تقوم القوة الأمنية بأحد أمرين: إما التغاضي عن المتسول الصغير أو نقله إلى المخفر والتحقيق معه في حضور مساعدة اجتماعية من اتحاد حماية الأحداث أو من إحدى الجمعيات الأهلية المتعاقدة مع القوى الأمنية، على أن يستتبع هذا الإجراء تحرير محضر، ومن ثم الاتصال بعائلته لتسليمها إياه. لكن، حتى هذا الإجراء الأمني لا يسلم من المخالفات، فلا أحد يتصور أن يتم تحويل ولد متسول إلى ...مخفر، «ولكننا نضطر لعدم وجود بديل لفعل ذلك»، كما أسرّ لنا مصدر أمني رفض الكشف عن اسمه. لكن، هل هي مخالفة واحدة فقط؟ ففي معظم الأحيان يتم التحقيق مع الطفل في غياب المساعدة «لعدم وجود جمعيات كافية متعاقدة معها القوى الأمنية».
يحصل هذا السيناريو في المرة الأولى وفي الثانية أيضاً. ما يتغيّر في المرة الثانية لوقوع المتسوّل بين أيدي العسكر هو أن العودة إلى الأهل، إن وُجدوا، لن تكون مضمونة. وفي أغلب الأحيان، يحوّل محضر جلسة التحقيق إلى المدعي العام الذي يُصدر قراره (القاضي في الغالب) بتحويل الطفل إلى مؤسسة للرعاية. هنا، تبدأ الحياة الأخرى. حياة، على عللها، أشفى حالاً من جلسة «24 ساعة» في المخفر. فهنا، يؤويهم بيت لم يألفوه في حياتهم السابقة. بيت له سقف وجدران. لكنهم لن يبقوا جميعاً فيه. «فثمة أطفال لن يحتملوا عيشة أولاد البيوت، فيضطرون للهرب» كما يقول جان عتر مدير مؤسسة الرعاية. وآخرون «تضطر المؤسسة إلى تسليمهم بعد وقت قليل من دخولهم، بناءً على إشارة المدعي العام بعد طلب الأهل استردادهم بموجب تعهد يوقعونه بعدم إرساله مجدداً إلى الشارع»، يضيف.
لكن، من يضمن عدم العودة؟ «لا أحد، فلا مفاعيل قانونية للتعهد. مجرد حبر على ورق»، يكمل عتر. وهذا يطرح تساؤلاً عن الشخصية القانونية التي تأمر بهذا الخروج. وفي جميع الحالات لا يمكن الوصول إلا إلى خلاصة واحدة: كلمة الوالد هي العليا، لا كلام الوزير ولا الدولة. فلا شيء سيمنع الوالد من استرداد ابنه إلا في حال تعرض الطفل للعنف أو اتهامه لوالده بأنه يدفعه إلى التسول.
يرحل من يرحل، ويبقى في البيت مجموعة أطفال، فلا يتركونه إلا لزيارة الأهل. لكن، «ثمة من لا يتركه أبداً، حتى لو بلغ السن التي تفرض عليه الرحيل». ويعود السبب، كما يشير عتر، إلى أن «معظم الأطفال لا يملكون هوية، وفي مثل هذه الحال يخرج من البيت إلى السجن». لكن، بما أن إحصاءات المؤسسة تشير إلى أن معظم هؤلاء إمّا سوريون وإمّا فلسطينيون، ومن بعدهم لبنانيون، فماذا يفعلون بغير اللبناني؟ «السوري يرحّل، أما الفلسطيني فالترحيل غير وارد». الوارد الوحيد هو إما العودة إلى المخيم أو البقاء حيث هو إن لم تتوافر معه أوراق تثبت شخصيته.
إذاً، في البيت كل شيء: التعليم، المنامة، اللعب. لكن، رغم كل ذلك «لا يشعر بعضهم بالأمان، وخصوصاً الجدد منهم. فهؤلاء يشتركون بصفة واحدة: الكذب»، يقول عتر، شارحاً: «يحبكون حكاياهم كما خطّطوا لها، خوفاً من ماضيهم وعلى أنفسهم وعائلاتهم. ينكرون أسماء عائلاتهم خصوصاً وأسماءهم الصغيرة أيضاً». مع ذلك، ثمة ما يجمعهم: قصصهم، فنكاد لا نميّز بين حكاية خالد أو محمد: تسوّل، سرقة، نوم في الزواريب. لكن، حتى هذا السرير الموسمي في بيت الرجاء، لن يستمر وقتاً طويلاً. فالبيت يعاني من «نقصٍ في الموازنة»، بحسب عتر، صابّاً جام غضبه على وزارة الشؤون التي «تعمد إلى خفض الموازنة حتى وصلت الحسومات إلى 90%، كأنه مطلوب منا إطعامهم شعيراً». وأكثر من ذلك، لا يحقّ للمؤسسة، بحسب العقد، سوى احتضان 25 طفلاً، وهو عدد يمكن التقاطه من زاوية واحدة في شارع الحمرا.


بيت الرّجاء هو المؤسسة الوحيدة المعترف بها رسمياً لرعاية أطفال الشوارع
لكن، هل العتب فقط على الشؤون؟ ترفض سلام شريم، رئيسة قسم الأحداث المعرّضين لخطر الانحراف في الوزارة، هذا «الهجوم»، قائلة إن «الموازنة لم تنخفض، كل ما في الأمر أننا قارنّا موازنة بيت الرجاء بغيره من الجمعيات، فوجدنا أن الكلفة عالية، فاعتمدنا سعر كلفة ملائماً هو 22 ألفاً للطفل». باتت الموازنة نحو 300 مليون بدلاً من 600 مليون. «وهو ما يدفع، كما تتابع شريم، إلى التساؤل عن البرامج التي كان يقوم بها البيت قبل خفض الموازنة؟»، وخصوصاً مع وجود مساعدة اجتماعية بدوام جزئي، وهو ما يخالف بنود العقد الذي يفرض وجود مساعدة بدوام كامل؟ الإجابة عن هذا السؤال: «لن تكون في مصلحة أصحاب البيت ربما».
مع ذلك، لا تنكر شريم أن هذه الموازنة تمر «بطلعات ونزلات حسب توافر الاعتمادات». يضاف إلى ذلك «الوضع السياسي والتغيير المستمر في الوزارة، إضافة إلى غياب استراتيجية واضحة لموضوع أطفال الشوارع، وخصوصاً أننا نضطر إلى إقناع كل وزير جديد بما كنا قد أقنعنا به من سبقه».
إلى ذلك، لا تضم دائرة الأحداث إلا الرئيسة، بحسب قولها، ما يضطرّها إلى القيام بزيارات إلى «بيت الرجاء» لإعداد التقارير عنه بدلاً من المساعدات الاجتماعيات اللواتي يفترض أن يقمن بهذا الدور... لكنهن لسن موجودات الآن، فمرسوم تعيينهنّ ينتظر انعقاد جلسات الحكومة.
دائرة ناقصة. وبيت يتيم على «قدّ الحال» ببرامج متواضعة. وكلما جاء وزير، تعود القضية، تماماً مثل أطفال الشوارع إلى نقطة الانطلاق. يبقى الأمل في الوزير الجديد الذي وضع حلّ هذه المشكلة على جدول أولوياته.


التسوّل بين قانونينوبالعودة إلى قانون العقوبات، فإنه ينص في المواد 610 حتى 613 على «العقوبات التي تطال المتسولين». فتشير تلك المواد إلى أن من «كان يستطيع الحصول على موارد بالعمل واستجدى لمنفعته الخاصة الإحسان يعاقب بالحبس مع التشغيل مدة تراوح بين شهر وستّة أشهر».