سقطت عاملة فيليبينيّة أمس من شرفة منزل مخدوميها، تهشّمت جثتها. أثار المشهد القلق والحزن، طال انتظار الموجودين في المنطقة ولم يحضر الطبيب الشرعي إلا بعد ساعات. موت ماريا يسلّط الضوء مجدداً على وفاة عاملات أجنبيات


رضوان مرتضى
اليد ملتوية، يخترق أسفلها عظم المعصم. الأصابع تبدو كأنها ستطبق على شيء ما. جدولٌ صغير من الدم وجد طريقه من أسفل ذلك الغطاء الذي يحمل لون الكفن. قرب ذلك الشيء الأبيض، يجتمع عدد من رجال الأمن. وتقف في الجهة المقابلة له، سيارة إسعاف تابعة للدفاع المدني يستند إليها رجُلَان. أما المكان فهو شارع جورج عاصي الكائن خلف حديقة الصنائع.
المشهد كان قاسياً، اختلط الهمس بالدموع، يقول أهل الحي إنها «جثة عاملة فيليبينية قفزت من منزل مخدومها ي. ح. في الطبقة السابعة». ويقول مندوب السفارة الفيليبينية إنها ماريا (مواليد 1981)، فتاة تركت وطنها قاصدة لبنان قبل نحو شهرين لتعمل «خادمة في أحد المنازل». لا يعرف المندوب ماذا جرى لها. يصمت قليلاً وينظر إلى اليد البارزة أسفل ذلك الغطاء، نظرته توحي أنه لم يستفق بعد من هول المنظر، ويتابع: «إنها حالة الانتحار الأولى في العام الجديد».
في الزاوية المشرفة على موقع الجثة، تقف 3 نسوة، يسترقن النظر بعدما طلب عناصر الأمن إليهنّ الابتعاد. تروي النسوة أنهن سمعن صوت ارتطام، أطللن من شرف منازلهن، فوجدن الجثّة مكوّمة على الأرض بلا حراك. تقول إحداهن: «بعد سقوط الجثة، اقتربت خادمتان من الجثة، وبدأتا بالصراخ»، وتضيف، «لكن رجال الأمن أبعدوا الخادمتين».
مرّت ساعة ونصف ساعة على الحادث الذي وقع عند حوالى الساعة الواحدة ظهراً. حضر رجال الأدلة الجنائية، وأجروا كشفاً على موقع الحادث. لكن رغم ذلك، لم تُحرّك الجثة من مكانها، بقيت على الأرض لنحو ثلاث ساعات. سألت «الأخبار» ضابطاً في قوى الأمن كان موجوداً في المكان عن سبب ترك الجثة كل هذه المدة، فأجاب بأنهم ينتظرون الطبيب الشرعي ليكشف عليها.
ينزل من المبنى رجلٌ طويل القامة، يرافقه رجلا أمن، يحمل الرجل الطويل في إحدى يديه أوراقاً ثبوتية، ويستعمل الأخرى لتدخين سيجاره، محاولاً التخفيف من هول المصيبة التي نزلت به. يجتمع حوله عدد من الأشخاص. يسألونه عن سبب حصول ذلك. فيحرّك كتفيه مستغرباً ما حصل، ويردف قائلاً: «لم تعش في منزلي أكثر من شهرين، لا أدري لماذا فعلت ذلك». يخرج من بين المجتمعين وينسحب في الزاوية وحيداً، محاولاً الاتصال بمستشفى ليحجز مكاناً في البراد لماريا.
لا يزال الجميع ينتظر الطبيب الشرعي. في هذه الأثناء، يمر أحد الأشخاص معلّقاً: «الحمد لله أنها لم تسقط على سيّارة أحدهم»، ويضيف، «كانت عملت بلوي». تأخر الطبيب الشرعي، وكثرت تحليلات الموجودين عن ملابسات الوفاة. بعضهم برّأ صاحب المنزل، مستذكراً أخلاقه الحميدة التي يتعامل بها مع جيرانه، فيما ذهب البعض الآخر همساً إلى احتمال إساءة معاملة الخادمة، ما دفع بها إلى «الانتحار». وبين هذا وذاك، تحدّث البعض عن أنّ الخادمة قطعت شرايين يديها قبل أن تقفز. وقد رجّح هذا الكلام مندوب السفارة الفيليبينية الذي قال إنه رأى بقع دماء في غرفة النوم.
... وبعد ثلاث ساعات، حضر الطبيب الشرعي حاملاً حقيبته بيمناه. أخرج كاميرته واقترب من الجثة. نظر من خلال عدستها إلى الأعلى والتقط صورة لمكان السقوط. ثم رفع الغطاء عن الجثة وقلبها. ماريا سقطت على وجهها مباشرة. تهشّمت جمجمة رأسها، وكُسر معصمها الذي يبدو أنها تلقّت به الأرض. أحضر عاملا الإسعاف الحمّالة وحملاها. لمع قرطٌ ذهبي في أذنها اليمنى. غطّيا الجثة ووضعاها في السيارة.


تأخّر الطبيب الشرعي، وكثرت تحليلات الموجودين عن ملابسات الوفاة
قرب موقع السقوط، وقف صحافيّان يحللان الأسباب التي تدفع بالخادمات إلى الانتحار. لم يجزما بأن ماريا انتحرت، ربّما تكون قد قُتلت. لكن في فرضية الانتحار، تبنّى أحدهم فكرة الضغوط والإيذاء. في المقابل، رأى الآخر أن فراق الأهل والاغتراب لأول مرّة يسبّبان لهذه الفتيات الاكتئاب. وبين الرأي الأول والثاني، برز رأي الطبيب النفسي والباحث الاجتماعي أحمد عيّاش الذي أرجع ظاهرة انتحار الخادمات الى «القمع وحجز الحرية الذي يشعرهنّ بأنهن في سجن»، ويرجّح الطبيب عيّاش أن اختيار وسيلة الانتحار بالقفز من مكان عال يعبّر عن رغبة كامنة في التحرّر من القيود.
يروي ناطور البناية حيث سقطت ماريا، أنه شاهدها للمرة الأخيرة صباح أمس برفقة طفلة مشغّلها. يقول: «وقفت برفقتها تنتظر باص المدرسة». ويضيف: «لا أعتقد أن أحداً سيفتقد ماريا، فهي لم تلبث هنا إلا شهرين»، لكنه يؤكّد أن الطفلة ابنة الخمس سنوات ستفتقدها.
ماريا كانت هنا. جثّتها كانت هنا، لكنهم نقلوها الى برّاد أحد المستشفيات، نسوا فردة حذائها الذي كانت ترتديه في المنزل، كما تركوا دماءها لترسم ظلال جسد سقط أو ربما «أُسقط».


لقطة

ذكر الطبيب النفسي والباحث الاجتماعي أحمد عيّاش لـ«الأخبار»، أن «سوء المعاملة الذي تتعرّض له بعض الخادمات في لبنان يدفع بهن الى الانتحار». وأشار عياش الى أنه يعالج العديد من الخادمات اللواتي يعانين من اكتئاب سببه حجز حريتهن وسوء المعاملة. كذلك لفت المعالج النفسي الى أن الأسلوب الذي يختاره المُنتحر يُحدّد أسباب انتحاره. وقد أرجع، على سبيل المثال، اختيار رمي النفس من مكان مرتفع، على أنه رغبة في التحرّر والانعتاق من القيود التي تُكبّل المُنتحر. من هذا المنطلق، رأى الطبيب المذكور أن حجز حريّة عاملات المنازل هو السبب الرئيسي الذي يولّد الضغوط لدى هؤلاء الفتيات، ويدفع بالعديد منهن الى اختيار الانتحار وسيلة الى الهرب.


الحل في التحقيقات «الجدية»

يشهد لبنان أسبوعياً وفاة عاملة أجنبية على الأقل، وترتفع بينهنّ نسبة العاملات اللواتي تُسجل التقارير أنهن قضين انتحاراً. وقد كان شهر تشرين الأول الماضي «شهراً دامياً بالنسبة إلى عاملات المنازل الأجنبيات» حيث سُجلت وفاة ثمان منهن. الناشطون والباحثون في جمعيات دولية يرفعون الصوت لتسليط الضوء على هذه المشكلة. ويؤكدون ضرورة فتح «تحقيقات جدية» قبل البت في بعض حالات وفاة عاملات، إذ إن بعض الحوادث التي تُسجل كعمليات انتحار لا يجري التحقيق فيها طويلاً. ويؤكد معالجون نفسيون أن الإقدام على الانتحار يحصل بعد أن يمرّ المرء في حالة فصام، يمكن قراءة ظواهرها بسهولة لدى من يعيشون أو يحيطون بمن يعانيها. وفي هذه الحالة، يجدر الاهتمام به حتى لا يتخذ قرار الانتحار.