الشباب القواتيون يبحثون عن منتدى إلكتروني، بعدما فقدوا الموقع غير الرسمي للحزب. أما العونيون، حتى «المتمردون» منهم على سياسة التيار اليوم، فيعلنون آراءهم جهاراً في الغرفة البرتقالية. وإلى هؤلاء، لا يجد غير الحزبيين بدورهم صعوبة في الوصول إلى منتدياتهم. صارت الأخيرة «فُسحة» افتراضية يهربون فيها من «تهميش» مُفترض


أحمد محسن
لم يتغيّر شيء في الموقع غير الرسمي للقوات اللبنانية، منذ فترة الثمانينيات. لم يكن الإنترنت موجوداً آنذاك طبعاً، لكن الشعارات ذاتها تقريباً. الصليب المشطوب الذي لا يذرف إلا دماً، والعناوين الفرعية على يسار الشاشة، التي تعود بالتأكيد إلى مرحلةٍ انتهت منذ عشرين عاماً على أقل تقدير. لكن القوات تغيرّت. اختفى المنتدى الإلكتروني الذي كان متصلاً بالموقع. وفي هذا الإطار، أكدت المستشارة الإعلامية لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات، أنطوانيت جعجع، أن الموقع المذكور (org) لا يمثّل الحزب حالياً، مذكرةً بالدعوى القضائية التي رفعها الأخير على الموقع، علماً بأنه يبثّ من كندا. برأي جعجع، المنتدى هناك، تحوّل ساحة لإطلاق الشتائم، وهذا «ما لا يناسب الحزب».
بعض مناصري القوات يخالفونها الرأي. ففي ما مضى، كان المنتدى الإلكتروني التابع للموقع متنفساً حقيقياً لكثير من الشباب «الرافضين للوجود السوري في لبنان». بيار، أحد هؤلاء، كان يتسلل إلى الموقع، ويدلي بآرائه من دون خوف. كان يعتقد بوجود رقابة خفية على الشبكة، لكن الشاشة كحاجز بينه وبين العالم الواقعي، رفعت من شجاعته. وجد في المكان مساحةً للتعبير، قبل أن يلتحق رسمياً بالقوات اللبنانية لاحقاً. صار المنتدى الإلكتروني جزءاً من ذاكرته، مشيراً إلى أنه أقفل منذ فترة قريبة، لأسباب «لا يرغب في الحديث عنها». وقد يفسّر وجود موقع رسمي آخر للقوات، هذا الالتباس. الموقع الجديد ناطق بالعربية، ويشبه المرحلة الحالية، لكن بلا مساحة لإبداء الآراء، باستثناء تلك التي تراقبها إدارة الموقع الرسمية (com). إحدى الصبايا، أبدت رأياً، أخيراً، تشرح فيه «لماذا هي قواتية». لكن جعجع لم تغلق جميع الأبواب على الشباب القواتيين. وعدت بإطلاق منتدى جديد، يراعي الأدبيات العامة، ولا يُسمح فيه بالتجاوزات والقدح والذم. إلى ذلك الحين، أي حتى تفي القيادة الحزبية بوعدها لشبانها، لا بد من الحديث عن بعض العواقب المحتملة. فقد دفع إغلاق الموقع الأم، بماريان مثلاً، إلى الالتحاق بمنتدى الخصم السياسي: «الغرفة البرتقالية». تقول ماريان إن القواتيين والعونيين ظلوا في هدنة حتى الطلاق السياسي. عملياً، آراء الشباب على الإنترنت هي انعكاس لآرائهم خارج الشبكة. ففي رأي الطالبة القواتية، المنتديات أوجدت ساحة يلتقي فيها الفريقان، ويخوضان «معاركَ» مشتركة ضد سوريا، حين كان الوقت ملائماً. اليوم، لا داعي لذلك. انتقل الاختلاف إلى العالم الافتراضي أيضاً. لم تشفع الذكريات للمنتديات. أصيبت بعدوى الحروب. صارت ساحة صراع، لا يرحم المتصارعون فيها بعضهم بعضاً، ولو كان صراعهم «كلامياً».
على هذا الأساس، لا شيء اسمه «ثورة الأرز» في «الغرفة البرتقالية». اسمها هناك «ثورة البرازق». هذا الموضوع هو الأكثر إثارةً للجدل، في المنتدى الرسمي للتيار الوطني الحر خلال الأسبوعين الماضيين. فقد استدعت زيارة رئيس الحكومة، سعد الحريري، إلى سوريا اهتمام الجميع هناك. أحد المشتركين يرى الأمر طبيعياً. يطلب مراقبة عدد متصفّحي المواضيع السياسية (يتخطى 300 مشاهد أحياناً)، بينما لا يتجاوز متصفّحو الصفحات الأخرى ربع هذا العدد. لا غرابة في الأمر، فالموقع سياسي في النهاية. الهامش في الحرية أعلى أيضاً. ثمة صور للرئيسين الأسد والحريري، مع بعض التعليقات القاسية قليلاً، ومحاولات بعض مناصري تيار المستقبل الدفاع عن زعيمهم. أحد المتابعين للمنتدى يقول إن الهامش نفسه «مرتبط بالعوامل السياسية هو الآخر». هكذا، ارتفع عدد المنضمّين إلى الموقع من مناصري «حزب الله» كثيراً بعد وثيقة التفاهم الغنية عن التعريف. أحمد، مشارك آخر، تستفزه لغة البرتقالي الإنكليزية. يستفزه أيضاً «ما يلمسه من كره للفلسطينيين هناك». يستدرك موضحاً أنه لم يستطع تكوين أصدقاء هناك. المنتديات، بالنسبة إلى المتصفح اليومي، كالمنزل. لا يمكن العيش فيه، إلا إذا كان قاطنه مرتاحاً.
مشكلة أحمد في الانسجام مع العونيين ليست أزمة. فهو لم يجد صعوبةً في التأقلم مع منتدى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول). إضافة إلى ذلك، أجرى الموقع مقابلات عدة مع قادةٍ في الحزب الشيوعي، خلال الشهر الماضي، في محاولة لخلق تواصل دائم بين الشباب والقادة. بات معروفاً أن المنتديات الإلكترونية كمساحة، محتلة من الشباب تقريباً.



معسكرات لحرب نظيفة


على غرار موقع جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وعلى عكس منتدى التيار الوطني الحر، يقدم موقع صوتك أونلاين ميزة الحوار بالعربية لمشتركيه. كارولين، المشرفة على إدارة قسم الشباب في منتديات صوتك أونلاين، تقول إن الإدارة تراقب الحوار، ولا تسمح له بالخروج عن الأدبيات العامة. تقتضي مهمتها بتعديل بعض المشاركات، حتى تصبح لائقة، ولا تخرج عن إطار الحوار البنّاء. ترى أن المنتدى يضم الصالح والطالح، قبل أن تردف ممازحة «كنت محبوبة عندما كنت عضواً عادياً، وكرهني الجميع عندما أصبحت مشرفة». السلطة يمكن أن تكون افتراضية أيضاً. بدورها، ترفض أمل المشتركة القديمة التصنيف العشوائي للأعضاء، وتقبل الاعتراف بأن البيت الإلكتروني يشبه المجتمع العادي إلى حدٍ كبير، من ناحية تنوع أقسامه. رغم هذا، ملّت الذهاب إلى هناك، فالمشرفون «يتصرفون على مزاجهم»، مع أن بعض العلاقات التي أسستها في رحاب صوتك أونلاين امتدت إلى الحياة العادية، وصار لها أصدقاء منها، يكادون أن يكونوا الأقرب إليها الآن.
في المقابل، يرى حسن أن «الحروب» في المنتدى المذكور مختلفة: «يمكنك القول إن حزب الله يسيطر عليه». يخالفه ربيع الرأي، فقد استفاد كثيراً من تجربة التواصل مع الآخر. فعلى الرغم من «أن صاحب المنتدى هو حاكمه» سمحت له المشاركات هناك بالتعرف أكثر إلى أناس مختلفين معه في الرأي، مثل اليساريين. كان يظنّ أنهم غير موجودين إلا في صفحات الكتب. هكذا، تصبح المنتديات الإلكترونية أشبه بمنطقة خضراء، لا تحيطها حدود تماس، والممنوع فيها يقتصر على عدم استعمال الألفاظ النابية. لكن ثمة ما يخرق أمن هذه المنطقة: الكانتونات. يقول ربيع شارحاً: في المنتدى معسكران: إسلامي ويساري.