كلما ضاق الواقع اتسع الفضاء الافتراضي. للصرخات السياسية المكبوتة، للقيود الاجتماعية المكبلة، لحالات الوحدة وعدم التحقق، لتأمين مسرح نلبس ونخلع فيه أدواراً، لتحقيق شبكة أمان نلهث فيها وراء وجود أي «آخر» يدفئنا من غير أن يقتحمنا.

تلخص شاشة الكومبيوتر صورة العالم الحديث: حميمية لا تخدش الفردية، مساحة للقلة الباقية من شباب لا تزال هموم الحياة العامة تنبض في عروقهم، وضاقت بها ذرعاً شوارع أنظمتهم المعتمة، بينما يقتحم المساحة ذاتها من وقت لآخر «دخلاء متثاقفون»، أو آخرون حريصون على توسيع دائرة علاقاتهم العامة وتسويق صورهم وتعميمها، وإشراك العالم بأسره في نقلاتهم النفسية وأحاسيسهم الآنية، وكأنهم نجوم هوليوديون يتعطش جمهورهم لأخبارهم. هكذا، حل الانفتاح محل التحفّظ، واستبيحت الخصوصيات... طوعاً. أيستغرب ذلك في ظل ازدهار تلفزيون الواقع وصحف ومجلات النميمة المريضة بالتلصص وبنشر الفضائح؟
هناك أيضاً الفئة التي رفعت العلم الأبيض. استقالت من الحياة العامة وأدمنت على عالم افتراضي أكثر أماناً. لكل هؤلاء، يشكّل الإنترنت متنفساً. إلا أن فئة صغيرة لا تزال بمنأى عن الوباء. تعيش حياتها في الواقع بدل أن تكتبها على شاشة تضيئها إلكترونات متناحرة، تفضّل النظر في عين محاورها، وخوض علاقات حقيقية تعمّدها الانفعالات. لهؤلاء أيضاً فضاؤهم، على ناصية شارع مظلم، أو على قهوة منسيّة على الرصيف، أمام كوب من الشاي.
رنا...