خليل صويلح
«لم أتخيّل نفسي إلا راقصة». بهذه العبارة، تختزل مي سعيفان تمسكها بالحلم الأول ومكابداتها في سبيل تحقيقه. انتسبت ابنة السابعة إلى أول مجموعة باليه يؤسسها المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا عام 1988. وبعد مشاركتها في عرض «كسّارة البندق» السوري بالكامل، راحت تعيش صراعاً داخلياً انطلاقاً من سؤال مطروح عن مستقبل الرقص في بلدها، حيث تخرّجت من مدرسة الباليه كأول باليرينا سورية محترفة. حصلت مي على منحة للدراسة في ألمانيا، والتحقت بمعهد فرانكفورت للرقص الكلاسيكي والمعاصر. هناك عاشت صدمة حقيقية بسبب اختلاف مفهوم الرقص المعاصر بين المدرسة الروسية التي نشأت على مبادئها الصارمة، والمدرسة الألمانية التي تقوم على كسر الجماليات التقليدية للرقص ومزجها بعناصر مسرحية تعتمد على الإبداع الشخصي والارتجالات الحركية. «اكتشفتُ مفهوماً آخر لتشريح الجسد وتقنيات الحركة، وإذا بكل ما تعلمتُه في مدرسة الباليه يذهب هدراً، لكنني في المقابل أحسست بأهميتي كفرد، لا كمتلقٍّ يؤدي ما هو مطلوب منه آلياً». ستعيش مي سعيفان صراعاً طويلاً مع جسدها، قبل أن تلتقط الشيفرة السريّة للطيران الحرّ، من دون عرقلة ذهنية، وذلك بعد سنة ونصف سنة من العناد والمكابرة، «لأول مرة، أحسّ بمعنى الشطح الصوفي للجسد، إذ حلَّقتُ عالياً، وقد نسيت كل ما يكبّل جسدي تاريخياً».
هذه اللحظة المفصلية التي ستمتزج فيها روحا آنّا بافلوفا، وإيزادورا دنكان في جسد واحد، ستكون مرآة الكوريوغراف الشابة في مواجهة ذاتها، وإلى أي حد تشبه نفسها، وكيف ستصوغ علاقتها بمحيطها؟ «كان الدرس الأول الذي تعلمته هو الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه» تقول. لعلها «خفة الكائن التي لا تحتمل»، هذا بالضبط ما بدأت تعيشه بحماسة في مجتمع آخر مختلف جذرياً عما خبرته من قبل، فانخرطت في إنجاز أطروحتها الأولى عن تاريخ الموسيقى العربية وعلاقتها بالرقص، ثم الانكباب على دراسة تاريخ الكوريوغراف الأميركي وليم فورسايت الذي كان أحد معلّميها في المعهد.
بعد تخرجها من معهد فرانكفورت للرقص، حملت مي سعيفان حقائبها وعادت إلى سوريا، كوريوغراف في مدرسة الباليه التي شهدت خطواتها الأولى. كان عليها أن تعبر يومياً من أمام التمثال الذي يحمل ملامحها بإزميل النحّات ياسر العمري. لكنها بعد سنة من التدريس، أحست بأن مكانها في قاعات الرقص، فغادرت إلى ألمانيا مرةً أخرى لإشباع حاجتها في تطوير أدواتها. في مدينة نورنبرغ، أسست معهداً خاصاً للرقص، وقدمت عروضاً مع فرق محترفة، واشتبكت عن كثب مع أسئلة الرقص المعاصر، وانخرطت في ورشات عمل وعروضٍ تجريبية وملتقيات رقص، لتتلمس طريقها على مهل.
تروي مي: «كنت أتبع حدسي في اتخاذ قراراتي، ولم أكن يوماً صاحبة قرارات حاسمة، لكن شعوري بالغربة تفاقم مع الوقت، في مجتمع بارد يهتم بتفاصيل نافلة، ويخيّم عليه كابوس نازية جديدة. كنت أصطدم بممارسات عنصرية، ورغم حصولي على الجنسية الألمانية، قررت العودة إلى بلدي الأصلي». عملها مبرمجة عروض في «معهد غوته» في دمشق، لم يمنعها من خوض تجارب خاصة بها. هكذا أسست تجمع «تنوين» للرقص المسرحي، وأطلقت «ملتقى دمشق للرقص المعاصر» بمشاركة فرق أجنبية، وها هي تستعد لإطلاق الدورة الثانية منه في نيسان (أبريل) المقبل وستكون فضاءً لتجارب أجنبية ومحلية وعروض «فيديو دانس».
كان علينا أن نتوقف عند عرضها الراقص الأول «عواقب». تسارع إلى القول: «هذا العرض كان صرخة مكبوتة رافقتني سنوات طويلة، ورغبت في أن تخرج إلى العلن. نحن نعيش تحت وطأة ضغوط مختلفة تركت آثارها على سلوكنا وأجسادنا، وكان عليّ أن أتساءل عن العواقب التي تواجه من يسعى إلى الخروج عن السرب ويكتشف ذاته، بعيداً عن المحيط. هذا العرض محاولة لتحرير جسدي من ثقل الآخرين، وأعتقد أنني تخففت كثيراً من هذا العبء». في عرضها الثاني «كونتراكت» (2008)، توغلت مي سعيفان في نقطة أبعد، إذ اتكأت على نص أدونيس وصوته في مقاطع من «تاريخ يتمزّق في جسد امرأة». زاوجت بين حركة الجسد والقصيدة، لالتقاط نبض مكابدات المرأة الشرقية، ومسعاها إلى تأكيد استقلاليتها وبناء شخصيتها بمعزل عن ذكورية المحيط. اشتغلت على خلخلة هذه البنى النمطية، والخروج من شرنقة الذات المقموعة والمكبوتة تاريخياً إلى فضاء آخر. هكذا، يوشك الجسد هنا أن يسقط من الحافة قبل أن يستعيد توازنه وتلقائيته في حركة مباغتة. ولعل اللحظة التي لن تنساها مي سعيفان هي وقوفها على خشبة مسرح فرانكفورت لعرض «كونتراكت». هناك كان بانتظارها أحد ألدّ معلميها في المعهد: «كان يجلس في الصفوف الأولى، قبالتي تماماً، ارتبكت من وجوده. خلال دراستي في المعهد، لم أكن على وفاق معه على الإطلاق. بعد انتهاء العرض تأخرت في الكواليس، وكنت أتساءل عمّا إذا كان لا يزال هنا، أم أنه غادر المكان. وجدته ينتظرني وقد هنأني بحرارة على العرض، لعله درس حقيقي في معنى الاختلاف».
تعترف مي بثقل لقب راقصة في مجتمع شرقي، لكنها تلتقط إشارات ايجابية عرضاً وراء عرض. في «كونتراكت» فوجئت بتفاعل شرائح شعبية مع عملي وتأثرها به، وهذا يعني أن الرقص التعبيري لم يعد نخبوياً، كما يشاع غالباً». وتستدرك قائلة: «ليس لدي جرأة إلى اليوم في تقديم عروض خارج دمشق، لكنني سأخوض هذه التجربة قريباً في مدنٍ سورية أخرى في نوع من الاختبار». المسألة إذاً مرهونة بالتراكم؟ تقول: «بصراحة حين أُسأل في المطار عن مهنتي أقول: مخرجة مسرحية، تخلصاً من سوء فهم ما لعبارة «راقصة». لكنني متفائلة بوجود أرضية اجتماعية وثقافية لهذه المهنة، لا تنسَ أننا نحمل موروثاً حضارياً عميقاً، فنحن السوريين، في نهاية المطاف، امتداد لحضارة المتوسط بكل رحابتها وروحانيتها».
فضلاً عن انهماكها بالإعداد لـ«ملتقى الرقص المعاصر»، تعمل مي سعيفان على تأسيس «جمعية مصممي الرقص العرب» التي تسعى إلى الحصول على ترخيص رسمي لها من بروكسيل أو بيروت، بهدف تأصيل تجارب الرقص المعاصر في العالم العربي.



5 تواريخ

1981
الولادة في دمشق

1988
الانتساب إلى مدرسة الباليه في دمشق

1999
منحة دراسية في «معهد فرانكفورت للرقص المعاصر»

2009
تأسيس تجمّع «تنوين» للرقص المعاصر، بعد عام على تقديم عملها «كونتراكت»

2010
الإعداد لإطلاق الدورة الثانية من «ملتقى الرقص المعاصر» في نيسان (أبريل) المقبل