صدح نواب الأمة بـ«نداء بيروت إلى قمة كوبنهاغن»، واختاروا «التطرف البيئي لمصلحة إنقاذ الكوكب». لكن المدقق في طبيعة المداولات التي جرت في مجلس النواب أمس، يدرك أن لبنان بحاجة إلى «نداء بيروت إلى بيروت» لأن اللعبة الأممية أكبر من هذا البلد «المبهوج» باقتصاد السوق، الذي لا يزال يعتمد طاقة وسخة تشبه تماماً نظامه السياسي


بسام القنطار
مثّل النداء الذي أطلقه أمس عدد من النواب وممثلون عن الجمعيات البيئية، خطوة معنوية هامة، كونه تضمن مطالب متقدمة في موضوع تغير المناخ رفعت باسم «الشعب اللبناني» إلى قمة كوبنهاغن حول المناخ، خلال لقاء عقد في مكتبة مجلس النواب امس.
لكن الموقف الذي أطلق عليه تسمية «نداء بيروت إلى كوبنهاغن» بقي معنوياً، لأنه بالتأكيد لن يتحول التزاماً حكومياً يحمله الرئيس سعد الحريري في حقيبته إلى القمة العالمية للمناخ التي ستنطلق مطلع الأسبوع المقبل. فلبنان الحكومي، كما أوحت طبيعة المداولات، لن يلتزم بما ورد في هذا النداء، وسيبقى يعتمد سياسة «اللاموقف» من المفاوضات الجارية التي تشهد صراعاً حاداً بين الدول المتقدمة والنامية بشأن الالتزامات التي يجب على كل مجموعة أن تقدمها لخفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون مع حلول عام 2020.
حقيقة الموقف الرسمي اللبناني عبّر عنها أمس المدير العام لوزارة البيئة بيرج هاتجيان الذي وصف النداء بأنه «يغرد خارج السرب». والمقصود «بالسرب» هنا مجموعة دول الـ77 إضافة إلى الصين التي تسعى إلى التمسك بالتزامات تحت شعار «المسؤولية المتفاوتة» أقل بكثير من تلك التي طالب النداء بالالتزام بها.
ولقد نجح هاتجيان بخلق جدل في القاعة التي جمعت النواب الأعضاء في لجنتي البيئة والطاقة النيابيتين، الذين بدوا غير متابعين لتفاصيل هذه المفاوضات من جهة، وحقيقة الموقف اللبناني الرسمي منها من جهة أخرى، باستثناء النائب محمد قباني صاحب المبادرة للدعوة، الذي عمل على صياغة النداء بالتعاون مع خبراء من برنامج الأمم المتحدة للتنمية ورابطة الناشطين المستقلين «إندي آكت».
«اسمح لي حضرة الرئيس أن أقول إن هذا الموقف متطرف ولبنان يجب ألا يخرج عن الإجماع العربي المتعلق بالمفاوضات الجارية»، الكلام لهتجيان متوجهاً إلى رئيس الجلسة النائب محمد قباني. لكن قباني الذي تولى مع رئيس لجنة البيئة النيابية مروان حمادة تعديل النداء، حاول ألا ينتهي الموقف إلى نسف الاجتماع والنداء برمّته، فخاطب هاتجيان «مطمئناً» بقوله «هذا نداء الشعب اللبناني وليس نداء الحكومة(!) وإذا كان إنقاذ البيئة يعني التطرف، فنحن بالتأكيد مع التطرف البيئي».

لا تزال وزارة البيئة تتبنى فكرة إنشاء محارق للنفايات في لبنان
وفي وقت كان النائب نديم الجميل يدوّن الملاحظات دون أن يتقدم بموقف معين، كان النائب حكمت ديب يقترح إعادة صياغة الفقرة الأولى من النداء التي تشرح المشكلة، طالباً أن يبدأ النداء بمطالب محددة دون الغوص في المقدمات. مداخلة ديب دفعت نائب رئيس لجنة البيئة عاصم قانصوه للتهامس مع «زميله» باللجنة مروان حمادة وتبادل الابتسامات عن «شكلية» طرح ديب، ما جعل الندوة نفسها تعكس بعضاً مما تكوّن في أروقة المجلس الجديد من صداقات، لا تعكس البتة أجواء الاصطفافات السياسية المعلنة، التي يتصور الشعب اللبناني أن ممثليه حملوها إلى داخل الندوة البرلمانية.
ويطالب النداء الدول الصناعية التي تتحمل المسؤولية التاريخية عن تغير المناخ، بخفض انبعاثاتها بنسبة 40% على الأقل بحلول عام 2020 وأكثر من 95% بحلول عام 2050 عما كانت عليه عام 1990. كما تطالب الدول النامية بخفض انبعاثاتها بنسبة أكثر من 30% بحلول عام 2020 وأكثر من 65% من مستواها عمّا كانت عليه في عام 1990 بحلول عام 2050.
ومن المعلوم أنه قبيل أسبوع من انعقاد القمة، لم تلتزم غالبية الدول الصناعية أو النامية بهذه الأرقام. مع العلم أن الصين قدمت اقتراحات لخفض انبعاثاتها بنسبة 45% عام 2020، ولكن عن مستواها الذي كانت عليه عام 2005، أما الولايات المتحدة الأميركية فلم تتقدم حتى اللحظة برقم معين، علماً بأن مشروع قانون لخفض انبعاثاتها بنسبة 17% عام 2020 عن مستواها الذي كانت عليه عام 2005 لا يزال يواجه معارضة في الكونغرس الأميركي، ما يهدد قمة كوبنهاغن بالخروج بإعلان سياسي «لا يصرف»، بدلاً من اتفاقية قانونية ملزمة لكل الأطراف.
فقرة أخرى من النداء حازت جدلاً واسعاً طالبت بوقف «الدعم المادي المخصص للفحم وغيره من الوقود غير النظيف، كذلك وقف أي دعم أو تمويل للتكنولوجيات غير المستدامة، مثال الطاقة النووية والوقود الحيوي وتوليد الطاقة من حرق النفايات». ولقد طالب هاتجيان «بحذف هذه الفقرة والإبقاء على كل الخيارات التقنية، لأن ذلك من مصلحة لبنان». ويستنتج من ذلك أن وزارة البيئة لا تزال تتبنى فكرة إنشاء محارق للنفايات رغم خطورتها، وأن تسويق هذا النوع من التقنيات، الذي حصل في عهد الوزير طوني كرم، لا يزال ساري المفعول، علماً بأن طرح الوزير ألان طابوريان لإنشاء معمل للطاقة الكهربائية يعمل على الفحم الحجري لم يلق ممانعة جدية في حينه، وليس معلوماً إذا كان الوزير جبران باسيل سيعتمده في خطته الجديدة لوزارة الطاقة.
إذاً لبنان الرسمي يسير في خطط مخالفة تماماً لما يطالب به «نداء بيروت» الذي اعتمدوه أمس، وهو لم يتقدم بأي طرح لتطوير تقنيات نظيفة للطاقة، ولم يعمد إلى دراسة جدية لإنقاذ قطاع النقل العام من «الكوما» الحالية، ولم يطور تشريعات تسمح بإنتاج الطاقة الكهربائية في المنازل من الطاقة الشمسية، ولم يستفد من غاز الميثان المنبعث من المطامر والمكبات العشوائية للنفايات، والأنكى من ذلك كله أن البنك الدولي الذي يعتبر الحاضن لهذا النوع من المشاريع، كان الغائب الأكبر عن اجتماع أمس.
«في كوبنهاغن منعطف وخيار: الإنقاذ أو الانتحار» بهذا يختم النداء نفسه. يبدو أن لبنان اختار «الانتحار»، أما مراسم الدفن فستجري في كوبنهاغن.