هل يعتبر المجلس البلدي في مدينة شتورة شرعياً يعمل وفق القوانين المرعية الإجراء؟ سؤال يطرحه عدد من أبناء شتورة الذين فتحوا ملف بلديتهم منذ 1998 متسائلين عن كيفية رفض وزارة الداخلية تنفيذ قرار صادر عن مجلس شورى الدولة ومن ثم حرمان المدينة من إجراء انتخابات في عام 2004 نزولاً عند «ضرورات المصلحة العامة!»


عفيف دياب
منذ الانتخابات البلدية عام 1998، يعمل المجلس البلدي في شتورة خلافاً للقانون ولم تنجح انتخابات عام 2004 في المساعدة على تصحيح الوضع. بل إن وزير الداخلية يومذاك، الياس المر، أصدر قراراً قضى بحذف بلدية شتورة في دائرة البقاع الثانية ــــ قضاء زحلة من عداد البلديات المدعوة لانتخاب أعضاء مجلس بلدي فيها، وذلك «بناءً على ضرورات المصلحة العامة المستمدّة من الضرورات الوطنية القاضية بالحفاظ على جو التوافق السائد في بلدة شتورة»!
هذه المخالفة القانونية التي ارتكبها الوزير المر، ولم تزل سارية المفعول، بغض النظر عن اعتبار المجلس البلدي الحالي فائزاً بالتزكية، سبقتها جملة واسعة من المخالفات القانونية ترافقت مع صراع سياسي وأمني على بلدية شتورة منذ انتخابات سنة 1998. إذ لم ينجح مجلس الشورى في إلزام الدولة بتطبيق القوانين المرعية الإجراء، ولا إلزام وزارة الداخلية بالتراجع عن مجموعة من القرارات المخالفة للقانون. هذا ما دفع النائب (السابق) نجاح واكيم، في شهر شباط من عام 2000، إلى توجيه سؤال إلى الحكومة بواسطة رئاسة مجلس النواب عن التطورات المتصلة ببلدية شتورة ومخالفة وزارة الداخلية قرارات صادرة عن مجلس شورى الدولة وعدم التقيّد بها.يقول أحد المتابعين للملف، فضل عدم الإفصاح عن اسمه، إن البلدية «قائمة خلافاً للقانون منذ عام 1998، وما جرى في عام 2004 ليس قانونياً ولا يمكن اعتبار المجلس البلدي فائزاً بالتزكية كما يتداول البعض، لأن الفريق الأمني الذي كان مسيطراً على البلاد مارس الترهيب وألزم الأهالي بلائحة واحدة من 9 أعضاء، بعدما منع اللائحة المنافسة يومذاك من استكمال مشروعها الانتخابي». يضيف: «يمثّل بيان وزارة الداخلية يومذاك، عن استثناء شتورة من الانتخابات البلدية، إشارةً واضحةً إلى صحة ما نقول، إذ إن الوزارة لم تصدر قراراً تعتبر فيه مجلس بلدية شتورة فائزاً بالتزكية، بل قالت إنه لضرورات المصلحة الوطنية (...) تحذف شتورة من عداد البلديات المدعوة لانتخاب مجلس بلدي ما زال يعمل خلافاً للقانون، وبالتالي فإن كلّ ما نجم عن عمل هذا المجلس يعتبر غير قانوني». ويسأل محدّثنا: «كيف لبلدية غير شرعية بقرار صادر عن مجلس شورى الدولة أن تصمد بوجه القوانين المرعية الإجراء؟»، في رأيه أن السبب هو «وجود جهات أمنية نافذه قبل عام 2005، أدت دوراً في إبقاء بلدية شتورة خلافاً للقانون، وألزمت حتى وزير الداخلية يومذاك بغض الطرف عن هذه المخالفة القانونية وصولاً إلى استثناء المدينة من إجراء انتخابات جديدة للمجلس البلدي في عام 2004».

وزير الداخلية حرمها الانتخابات عام 2004 خدمة للمصلحة العامة
تدخل جهات أمنية نافذة لإبقاء بلدية شتورة خلافاً للقانون اللبناني، ويقصد بها الشخص الذي فضل عدم ذكر اسمه الاستخبارات السورية، نجح في لجم اندفاعة مجموعة من أبناء شتورة لمتابعة الملف بشقيه السياسي والقانوني. «لكن هل تتدخل وزارة الداخلية والقضاء اللبناني ويفتحان ملف بلدية شتورة منذ عام 1998 وحتى عام 2004 إذا سلّمنا جدلاً أن المجلس الحالي يعتبر شرعياً؟»، يسأل أحد أعضاء البلدية الحالية، الذي لا يكترث كثيراً لما يقوم به المجلس البلدي في مدينته. يتابع: «صدّقني لم نقم بعمل إنمائي واحد لأن لا بلدية تعمل فعلياً بل مجلس صوري. نكاد نكتفي برفع لافتات الترحيب بهذا العيد أو ذاك أو توجيه تحيات لهذه المرجعية السياسية أو تلك الدينية»، مطالباً وزارة الداخلية بفتح ملف بلدية شتورة «بمفعول رجعي، فمجلس 1998 كان مخالفاً للقانون والمجلس الحالي يعتبر مشلولاً وفرض على أبناء شتورة قهراً».
هذه الدعوة إلى فتح الملف القانوني لبلدية شتورة منذ 1998 حتى اليوم، لم تستطع «الأخبار» أخذ تعليق رئيس البلدية نقولا عاصي عليها. فـ«الريّس» في مستودع محله التجاري المعدّ لبيع بنادق الصيد ومشتقاتها في المحاولة الهاتفية الأولى. وبعد ساعة تقريباً كان «لا يزال يقوم بواجبات تقديم التهاني بعيد الأضحى». وفي المحاولة الثالثة عند زيارة محله التجاري في نطاق بلدة جديتا العقاري كان الجواب: «الريّس مش هون»!
عدم «العثور» على رئيس بلدية شتورة لاستيضاح رأيه بدعوة بعض أبناء شتورة وأحد أعضاء مجلسه البلدي، وآخر متابع لقضيتها القانونية، يستوجب العودة إلى أرشيف مجلس شورى الدولة ومكاتب محافظة البقاع التي شهدت في عام 1998 صراعاً قانونياً وسياسياً وأمنياً. ففي شهر نيسان من عام 1999 تقدم سمير القاصوف وأنطوان خاطر ونقولا قبجي وغسان مطران بمراجعتين أمام مجلس الشورى يطلبون فيها إبطال قرار محافظ البقاع الرقم 893/ب/خ/ تاريخ 10/4/1999 برمته، نتيجة العيوب الموسوم بها. فيما طلبت المراجعة الثانية بوقف تنفيذ القرار الرقم 112/د تاريخ 10/5/1999 الصادر عن وزير الداخلية المتضمن دعوة الهيئات الناخبة جزئياً في بلدة شتورة لانتخاب 4 أعضاء بدل 9.
على السلطة فتح ملف بلدية شتورة منذ 1998 إلى اليوم
وفي الوقائع، أنه في تموز من عام 1998 تقدم 5 أعضاء من بلدية شتورة الـ9 باستقالاتهم من البلدية، وسُجّلت لدى الكاتب العدل وأرسلت إلى محافظ البقاع آنذاك، فريد القرم، الذي أرسل فوراً كتاباً إلى وزير الداخلية طلب فيه إعلان حلّ بلدية شتورة استناداً إلى المادة 23 من قانون البلديات الرقم 118/77. إلا أنه، بعد 14 يوماً، رجع أحد الأعضاء المستقيلين عن استقالته، فأجابه المحافظ القرم بأن قبول الرجوع عن الاستقالة يعدّ أمراً مخالفاً للمادة 30 من قانون البلديات، مؤكداً أن المجلس البلدي هو بحكم المنحلّ. وبعد 8 أشهر، استُبدل المحافظ القرم بالمحافظ ميلاد القارح الذي أقدم على تعديل قرار سلفه واعتبر أن العضو المستقيل الذي تراجع عن استقالته عاد إلى مركزه في عضوية البلدية فيما ثبت استقالة الأربعة الآخرين. هذه المخالفة القانونية دخل على خطها مجلس الشورى، بعدما تقدّم الأعضاء المستقيلون بمراجعتهم، طالبين إبطال قرار المحافظ. وبالفعل، صدر عن مجلس الشورى، في أيار 1999، قرار بوقف تنفيذ قرار المحافظ، إلا أن وزارة الداخلية لم تلتزم بتنفيذه بل دعت إلى انتخاب 4 أعضاء، ما ألزم مجلس الشورى بإصدار قرار جديد قضى بوقف قرار وزارة الداخلية دعوة الهيئات الناخبة في شتورة إلى انتخاب 4 بدل 9 مطالباً بانتخاب مجلس كامل. على الرغم من ذلك أصرّت وزارة الداخلية على موقفها وأعلن المحافظ القارح فوز 4 أعضاء بالتزكية!
يرى أحد أعضاء المجلس البلدي السابق أن بلدية شتورة «بقيت تعمل خلافاً للقانون حتى عام 2004 حين جرت انتخابات بلدية في كلّ لبنان، إلا في مدينتنا حيث فرض علينا مجلس بلدي لم يفز بالتزكية ولا بنتائج الاقتراع، بل بقرار من وزير الداخلية، الياس المر، الذي أصدر قراراً حرم فيه شتورة إجراء الانتخابات وعُيّن مجلس بلدي يعتبر امتداداً لمجلس 1998 المخالف للقانون. من هنا فإن ما بني على باطل فهو باطل، وعلى وزارة الداخلية فتح ملف بلدية شتورة منذ 1998 حتى اليوم».


293 ناخباً و9 أعضاء

عرفت شتورة العمل البلدي أوّل مرة عام 1975 وهي تعتبر من أصغر البلديات في لبنان. تبلغ مساحتها 1,6 كلم مربع ولا يتجاوز عدد سكانها الأصليين الألف نسمة يقيم أغلبيتهم خارج نطاقها العقاري أو في بلاد الاغتراب، ولا يتجاوز عدد ناخبيها الـ293 ناخباً يختارون 9 أعضاء. كانت معظم أراضي شتورة مملوكة، حتى عام 1940، للسيدة سلمى بولاد وانتقلت لاحقاً إلى آل الصحناوي، وفيها أراض مملوكة لأفراد من العائلة الكويتية الحاكمة. وتعدّ شتورة مدينة حديثة العهد إذ يعود تاريخ بنائها إلى أواخر القرن التاسع عشر، وبحكم موقعها الجغرافي تحولت إلى محطة مهمة من محطات التسفير في لبنان ومركزاً اقتصادياً أوجب منحها مجلساً بلدياً استثنائياً يتولى إدارة شؤونها.