محمد محسن

قد لا تكون وظيفة البلدية خياراً أول على قائمة الوظائف المستهدفة من الباحثين عنها، لكنها ليست لاغية تماماً، وخصوصاً بالنسبة إلى من لا يجدون عملاً ملائماً للدرجة العلمية التي وصلوا إليها.
سمير سعد تخرّج من كلية الحقوق والعلوم السياسية في عام 2003. خياره الأول كان البحث عن مكتب محاماة يوصله إلى قصر العدل، لكن خلافاً لطموحاته، وصل الشاب إلى قصر البلدية. هناك، لن يلبس ثوب المحامين الأسود، ولن يصدح صوته في المرافعات عن المتهمين كما حلم، بل سينحصر عمله في الإفادات العقارية وجباية ضرائب «الحراسة والكناسة». سمير، شاب عشريني، يرى في وظيفة البلدية أمراً روتينياً مزعجاً، لكنّه «أفضل بكثير من الجلوس في المنزل من دون عمل، والنظر إلى الشهادة المتربعة على الحائط» كما يقول.
لا تبدو حالة سمير أصعب من حالة بلال مراد، الذي «اضطر» إلى العمل موظفاً في بلدية قريته لأسباب عائلية، أهمها أنه لا يستطيع السفر وترك والديه وحيدين، فلم يجد أمامه سوى وظيفة البلدية منذ عام 2004. بحيث تبدو وظيفة البلدية في القرى النائية، طموحاً لا يجذب ناجحين كثراً لولا قبح البطالة.
في المقابل، هناك كثيرون أيضاً من أصحاب الشهادات الجامعية أو حتى المدرسية، الذين تتصدّر وظيفة البلدية قائمة طموحاتهم الوظيفية. أسبابهم متعددة كتنوّع الأعمال داخل أروقة القصر البلدي الكبير. لا فرق بين من يجلس خلف مكتب يجمع الضرائب ويوزّع الأوراق الرسمية، أو من يقود شاحنة جمع النفايات، أو من يقف طوال النهار لتنظيم السير، وإلى ما هنالك من الوظائف التي يفترض أن تتأمّن في البلديات.
بالنسبة إلى هؤلاء، خرج عمال البلديات من الصورة النمطية السلبية تجاه «الحراسة والكناسة»، ورأوا في البلدية مؤسسةً تشبه فرصة العمل فيها عروضات العمل في أي مؤسسة أخرى. فالرواتب متشابهة، وظروف العمل في البلدية أسهل، إذ إنها مهما بلغت صرامة تنظيمها، تبقى محكومة بأعراف الجيرة وحلّ المشاكل على قاعدة تبويس اللحى. أمّا عن تطابق الاختصاص الجامعي مع العمل البلدي، فلا «مشكلة في الاختلاف بينهما، المهم أن نجد عملاً لائقاً»، يقول جمال سكيني الموظف في بلدية إحدى القرى الجنوبية.
حتى هذه الأيام، يحظى موظف البلدية في القرى، بمكانة اجتماعية مرموقة بين أبناء القرية، وخصوصاً أنه يحتك يومياً معهم لتأمين مطالبهم، إضافةً إلى كونه ممثل القرية في كثير من المناسبات التي تختلط فيها السياسة بالمجتمع. شيئان لا ثالث لهما دفعا جمال إلى التوجه نحو العمل في البلدية: «بتصير وجيه، وبتساعد أهل ضيعتك».
في مناطق أخرى، كإقليم الخروب وبعلبك والهرمل، تصبح وظيفة البلدية مهمةً جداً، نتيجة غياب فرص العمل في القطاعات الأخرى. يتعلّق السكان هناك، بوظائف داخل ملاك الدولة على نحو عفوي ووثيق. أمّا في المدن فعلى الرغم من اتساع مساحة سوق العمل، فإن البعض يتجه صوب البلدية ليصبح «ابن دولة». ولهذه الكلمة وقعها الاقتصادي والاجتماعي، الذي يترجم نفسه منصباً في بلدية مدينة كبرى، مع مخصصات مالية، وخدمات تستفيد منها العائلة، وتشمل الطبابة وجزءاً من أقساط المدارس. ببساطة «تؤمن مستقبلك، وما بتخاف حدا يزعبك من شغلك، أو ينقصّلك معاشك» يشرح غسان أسباب تقدمه إلى امتحانات مجلس الخدمة المدنية للحصول على وظيفة في بلدية بيروت. لكن غسان رسب في الامتحانات وتوجّه الآن صوب عمل آخر. وبعكسه، ترك مجدي عمله في بلد أوروبي، بعدما نجح في امتحانات مجلس الخدمة، وهو ينتظر حتى الآن توظيفه مع زملائه الناجحين، وهو يرى أن «العمل في لبنان، وسط الأهل أمر مريح جداً».
يرفض غسان استهانة البعض بوظيفة البلدية، إذ إن «الذين يستهزئون بها يحتاجون إلى موظفي البلدية لتسيير شؤونهم دائماً». أما نجوى، فتقارب عملها في البلدية من زاوية الوظيفة العامة والوظيفة الخاصة، فتشير إلى أن الأخيرة مرموقة في الخارج، أما في لبنان فالعكس صحيح: «ابن الدولة يعيش مرتاحاً، مهما قست الظروف، أو تغيرت أحوال البلد وحكامه».