محمد شعير

يصعب اختصار إدوارد الخراط في جمل قصيرة. هو الشيخ المغامر الذي لم يترك فنّاً لم يدلُ فيه بدلوه، من قصة ورواية إلى شعر ونقد وترجمة وصولاً إلى الفنّ التشكيلي. هو أيضاً راعٍ لجيل من المبدعين، ومن أوائل من تبنّوا حركة السبعينيات الشعرية، ثم الكتابة القصصية الجديدة في الثمانينيات والتسعينيات، فأطلَق عليها مرات «الحساسية الجديدة»، ومرات أخرى «الكتابة عبر النوعية»، وهما عنوانا كتابين شهيرين له. ربما ليس هناك مبدع لم يعرف هذا العنوان «45 شارع أحمد حشمت» في الزمالك، الحي الأرستقراطي الهادئ. هنا تقع شقّة الخرّاط التي كانت حتى وقت قريب معبراً لأدباء الأجيال الجديدة. جميعهم من دون استثناء، دخلوا في مناقشات صاخبة هنا، واستعاروا كتباً من المكتبة التي تحيط بالجدران.
«لا تندهش، ليست هذه كل المكتبة» يقول الخراط. الصالون مكتبة كبيرة أيضاً، جدران غرفة النوم مكتبة كبيرة كذلك، وتضم على الأرجح أعمال الخراط نفسه وما كتب عنه. حين تسأله عن أحد كتبه، يغادر حجرة المكتب إلى غرفة النوم دائماً ويعود بالكتاب الذي تسأل عنه. تسأله عن أديب مصري فيتجه إلى غرفة صغيرة، كانت يوماً ما شرفة أغلقها وضمها إلى المكتبة، ليخرج أعمالاً قد يكون صاحبها قد نسيَها
تماماً.
أصدقاء كثر فقدوا دواوينهم الأولى المخطوطة لسبب من الأسباب، وجدوها عند الخراط، وآخرون اكتشفوا دراسات نقدية كتبت عن أعمالهم الأولى، فاجأهم باحتفاظه بها. لكلِّ أديب لدى الخراط «ملف». أخرج الملف الخاص بالروائي الراحل عبد الحكيم قاسم، ويضمّ الرسائل المتبادلة بينهما، بطاقات بريدية، ومخطوطات، ودراسات نقدية. يبتسم عندما نسأله: من أين يأتي بالوقت كي ينظم ذلك الأرشيف الضخم؟
فرض صاحب «رامة والتنين» عزلة شديدة على نفسه في السنتين الآخيرتين. ربما كان الأمر متعلقاً بالهجوم الذي تعرض له من تلاميذ تبناهم في بداياته. هل يحزنه هذا الهجوم؟ «هذا حقهم. أنا لم أكتب عنهم ليمدحوني أو يهاجموني، فهم كانوا ظاهرة ثقافية وأدبية قائمة جديرة بالنقد والتأمل والتقييم والتحليل. أنا لم أكن أنتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً. أما عن كونهم أضافوا، فهم أضافوا بالفعل». إجابة دبلوماسية من رجل تربى على مبادئ ليبرالية، عندما انتمى إلى أحد التنظيمات اليسارية في الأربعينيات. اختار تنظيماً تروتسكياً اتخذ موقفاً عنيفاً من «الماركسية الستالينية»، واهتمّ بالفن وحركاته الجديدة أكثر من اهتمامه
بالسياسة.
هجر الخراط السياسة مبكراً، بعد عامين من الاعتقال في منتصف الأربعينيات. كان والده وفدياً، يريده أن يصبح زعيماً سياسياً مثل مكرم عبيد باشا، لكنه أراد أن يصبح أديباً. رغم التحاقه بكلية الحقوق، أمضى معظم وقته في كليّة الآداب، يستمع إلى محاضرات أساتذة الفلسفة، والتاريخ والأدب الفرنسي والإنكليزي. في مكتبتي الكلية والبلدية في الإسكندرية، اكتشف سلامة موسى. «سحرتني مؤلفاته وعرفت منه معنى الاشتراكية»، هناك أيضاً قرأ برنارد شو ونيتشه وترجمة فليكس فارس لـ«هكذا تكلم زرادشت». في تلك الفترة، رحل والده تاركاً العائلة تعاني ضائقة مالية، اضطر خلالها الخراط للعمل في مخازن الجيش البريطاني. خلال الدراسة، كتب القصص والأشعار. «كتبت جزءاً من قصص «حيطان عالية» وترجمت كتابات لإيلوار وكامو».
عندما استحكمت به الأزمة المالية، اضطر للعمل مترجماً. «كنت أترجم براءات الاختراع في الميكانيك والكيمياء لإحدى الشركات، ما أثرى قاموسي اللغوي. إلى أن أرسل لي ألفريد فرج للعمل مترجماً في السفارة الرومانية عام ١٩٥٦، وأنقذني بذلك من التشرد والضياع». بعدها بأعوام قليلة، أصدر مجموعته الأولى «حيطان عالية» التي تعثّرت في النشر. بعدما وافق ناشر يساري يدعى ريمون دويك على نشر المجموعة، أُلقي القبض على هذا الأخير. اتصل به صاحب المطبعة وكان يونانياً ليخبره أن الكتاب على ألواح الرصاص، لكنّه لا يستطيع الطباعة لأنه لم يأخذ مستحقاته المادية كلّها من دويك. ذهب إليه الخراط وشاهد ألواح طباعة الكتاب جاهزة. «كان موقفاً صعباً جداً أن تشاهد كتابك جاهزاً للطبع لكنّه مهدد بالضياع». لم يكن هناك حل سوى أن يتفق مع صاحب المطبعة على أن يدفع هو المبلغ الباقي بالتقسيط. هكذا صدرت أولى كتاباته، أو بالأحرى مغامراته. يطلق على أعماله مسميات مختلفة من رواية شعرية إلى تنويعات روائية وحتّى نزوات ومتتاليات. «الهدف أن نكسر الجمود في تصور الأجناس
الأدبية».
كتابة صاحب «الزمن الآخر» مغامرة لغوية جريئة، تغوص في الواقع بقدر ما تبتعد عنه. حتى أنه عندما أصدر روايته «تباريح الوقائع والجنون» اعتبرها البعض انقلاباً على عقيدته الفنية. كيف لصاحب النزعات السريالية والشحطات الصوفية والتهويمات أن يكتب رواية بهذه الحدة والمباشرة؟ يرى الخراط أنه لم ينفصل قط عن الواقع في أعماله السابقة، لكنه يفسر المباشرة الحادة في «التباريح» بأن الواقع الذي نعيشه أصبح لا يحتمل رهافة الإضمار والاستتار، وحِيَل الفنّ الماكرة.
لكن أليست هذه المباشرة استسلاماً للواقع؟ يجيب: «الاستسلام هو الصمت، مجرد الكتابة ثورة. وهذا هو الفن في صميمه والأسئلة الكبرى في الفن أسئلة لا إجابة عنها أبداً». إذاً ليس الجمهور «أسطورة»؟ يضحك: «لم يكن الفن والإبداع في يوم من الأيام جماهيرياً، ولا مقصوداً به أن يكون جماهيرياً، في هذا خرافة أو وهم من الأوهام الشائعة». الفن بالنسبة إليه «علاقة حميمة بين المبدع وقارئه، لا أقول علاقة ذاتية ولا علاقة شخصية، إنها علاقة حميمة فقط».



5 تواريخ

1926
الولادة في الإسكندرية

1946
تخرّج من كلية الحقوق في «جامعة الإسكندرية». وبعد عامين، اعتقل بتهمة الانتماء إلى تنظيم تروتسكي

1959
أصدر أولى مجموعاته القصصية
«حيطان عالية»، وحذفت الرقابة الكثير منها قبل أن تصدر كاملة عام 1990
عن «دار الآداب» في بيروت

1979
روايته الأولى
«رامة والتنين»

2009
كرّمه «مهرجان العالم العربي» بدورته الأولى في كالابريا (جنوب إيطاليا) واحداً من أبرز الأدباء العرب