الأسير اللبناني المحرَّر علي برّو موقوف في سجن لبناني. الأسير حرّرته المقاومة في عملية التبادل عام 2004، وحضر على متن الطائرة نفسها التي أقلّت الشيخ عبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني وأنور ياسين والأسرى المحررين. لكنه يقبع منذ 6 أشهر في إحدى غرف المبنى (د) من سجن رومية


رضوان مرتضى
عام 1997، اختطفت الاستخبارات الإسرائيلية المواطن اللبناني علي برّو من مرجعيون، ونقلته إلى عكّا عبر معبر الناقورة. هناك حاكمته إسرائيل. لفّقت له التهم وأدانته فسُجن. التهمة كانت قيامه بنشاطات مشبوهة وتهريب مخدرات إلى إسرائيل. لكن المقرّبين أكّدوا أن الخلفية تتعلّق بالطيّار الإسرائيلي رون آراد.
قضى علي في المعتقل فترة قاربت ثماني سنوات، تنقّل خلالها بين عدة سجون، كان آخرها سجن بئر السبع، ثم أُطلق سراحه إثر عملية التبادل بين حزب الله وإسرائيل في 29 شباط 2004.
السنوات التي دفعها علي من عمره لم تكف. ففي أيار الفائت، أثناء مروره برفقة عائلته على حاجز للشرطة القضائية، أوقِف بسبب مذكرتَي توقيف صادرتين بحقه، تبيّن أنهما تعودان إلى عامي 1998 و2001، أي عندما كان علي لا يزال في المعتقل الإسرائيلي. ففي عام 1998 (أي بعد مرور سنة على اعتقاله)، أُوقف شخصان بتهمة محاولة تهريب مخدرات إلى الخارج. استُجوبا في مخفر حبيش، فذكرا اسم علي. ادُّعي عليه وأُحيل على المحكمة العسكرية لمحاكمته غيابياً.
المذكرة الثانية تعود إلى عام 2001 ، عندما أُوقف عدد من الأشخاص، وذكروا خلال التحقيق معهم أن لديهم رقم هاتف علي برّو، وأنهم يتواصلون معه ويرسلون له المخدرات، مؤكدين أنهم لم يروه قطّ. كان علي لا يزال في المعتقل الإسرائيلي، لكن رغم ذلك، ادُّعي عليه مجدداً وأُحيل على محكمة الجنايات.

صدرت مذكرتا توقيف بحقه عندما كان معتقلاً في إسرائيل
بعد 3 سنوات من صدور المذكرة، خرج علي إلى الحرية. لكنه لم يكن وحيداً. إذ رافقته جثة رجل كان يعتقد أنها لوالده الأسير محمد برّو. فوالده كان قد اعتُقل في 7 آب عام 1989، واقتيد إلى معتقل الخيام، ثم نُقل إلى الأراضي المحتلة. هناك حُكم عليه بالسجن لمدة 18 سنة، بعدما وضعته وزارة الداخلية الإسرائيلية على لائحة «أكثر السجناء الذين يمثّلون خطراً على إسرائيل». رأت إسرائيل أن برّو الأب يمثّل خطراً عليها. فقد كان مقرّباً من شخصيات إسرائيلية وفلسطينية عسكرية وسياسية. اتّهمته بمحاولة تجنيد ضبّاط إسرائيليين كبار، بعدما رفض التعامل معها في قضايا عدة، كان أبرزها رون آراد، بحسب أحد أفراد العائلة.
إذاً، محمد وعلي من دمٍ واحد. ابن ووالده ترعرعا في حضن كفركلا الجنوبية. ذاقا مرارة الاعتقال معاً، حتى إن سلطات الاحتلال لم تسمح لعلي، طوال فترة اعتقاله، برؤية والده إلا بعد وفاته، عندما طلبت منه تفقّد الجثة لتأكيد الوفاة. هاتان القصتان لا تختصران معاناة العائلة، إذ إن معظم أشقاء علي تلاحقهم إسرائيل. وقد نشرت صحفها معلومات أمنية تتهم كايد برو، شقيق علي، باستدراج العقيد الإسرائيلي ألحنان تننباوم وتسليمه إلى حزب الله.
كايد برّو الذي كان يرفض التحدث إلى الإعلام، خرج عن صمته «لأنّ الأمور وصلت إلى حدّ لا يُحتمل». ينقل ما تورده الصحف الإسرائيلية عن «إنجازات عائلته»، من دون أن ينفيها أو يؤكدها. وانطلاقاً منها، يطالب الدولة وقيادة المقاومة بردّ الظلم اللاحق بعائلته.
يرى كايد أن عائلته دفعت الكثير، فقد «سُجن والدي حيّاً وميتاً لأنه العقل المدبّر في عملية أسر العقيد الإسرائيلي». يضيف: «أخي كان ركناً أساسياً في عملية الأسر التي حرّرت عشرات الأسرى»، ومن هنا يسأل: «هل هكذا يكافأ؟». يضيف: «ألم تكفنا معتقلات فلسطين المحتلة ليأتي معتقل رومية؟».
يلفت الشقيق الأكبر لعلي إلى أنه أسهم في مكافحة العملاء بالتنسيق مع المقاومة، لكنه يبدي مفاجأته من ادّعاء القاضي صقر صقر عليه وعلى شقيقه بجرم التعامل. ويؤكّد كايد أن عائلته مع تطبيق القانون، لكنه يرى أن توقيف شقيقه خدمة مجانية لإسرائيل، ويأسف «لعدم تحرّك أجهزة الدولة لمعالجة هذا الملف بالطرق الصحيحة». ويلفت كايد إلى أن شقيقه علي يعاني اضطرابات في التنفّس، إذ لا يمكنه النوم من دون استخدام جهاز تنفّس مساعد، محمّلاً الدولة اللبنانية المسؤولية كاملة عن أي انتكاسة قد تصيب شقيقه الموقوف. كذلك يطالب برو «بإطلاق سراح شقيقه فوراً لحساسية القضية أمنياً». تعقد محكمة جنايات بيروت اليوم جلسة لمحاكمة الموقوف علي برّو، فهل ينصفه القضاء؟


وراثة؟

قضى والد علي 14 عاماً في المعتقل، ثم توفي عام 2003 في سجن إسرائيلي في ظروف غامضة. إسرائيل تقول إنه توفي إثر أزمة قلبية، لكن أبناءه يؤكدون أن مؤامرة دُبّرت كي لا يخرج والدهم حيّاً. ويتحدّثون عن دعوى قضائية مقامة حالياً أمام المحكمة العليا الإسرائيلية على إدارة السجن والأجهزة الأمنية. ويذكر أحد أفراد العائلة أن رئيس الموساد الحالي مائير داغان، الذي كان أحد ضبّاط القيادة في المنطقة الشمالية حينها، هو أحد المتورّطين في تسميم والدهم.
توفّي محمد برو (67 عاماً). رفضت إسرائيل تسليم جثته. تقدّمت العائلة بدعوى عبر محامٍ إسرائيلي وربحتها، فوُضعت الجثة في برّاد مستشفى في تل أبيب لنحو عشرة أشهر. حان موعد عملية التبادل، فسلّمت إسرائيل أبناءه جثّة غير جثّته، كأنه لم يكفها الاقتصاص منه في حياته. أُقيمت دعوى أخرى، لكن تسوية تمّت، فأُجبرت إسرائيل على تسليم الجثة بعد نحو شهر ليُدفن محمد في بلدته.