رنا حايك

في تلك القرية الجنوبية النائية، ضاقت فسحة الفرح. أصبح الابتهاج عيباً، وتواطأ الجمع على الحزن. هناك، كل يوم عاشوراء. خفتت أصوات الأغاني من الراديو الذي كان يصاحب جلسات «شك الدخان». «الأرطاسيا» يبست على أمها ولم تُسقَ منذ زمن. لم يعد ذلك مهماً، فالورود البلاستيكية الفاقعة الألوان، الباهتة الحضور، أصبحت تزيّن الصالونات الكئيبة، صور شهداء لم يترك لهم العدو خياراً غير التأطّر في صورة مذهّبة على جدار.
كانت الجدة الراقدة على فراش العجز أكثر شباباً من حفيداتها. كانت طاهرة الروح لا تجد عيباً في غسل يديها للوضوء في الحديقة الأمامية للبيت. كثيراً ما قامت بذلك، قبل أن يبدأ الجيل الثاني من الجارات الشابات، بالتهامس على فعلتها الكبيرة: «حرام!». كانت مناضلة على طريقتها، ربّت أيتاماً، عملت في الحقل من دون كلل، وأرسلت طبقاً من طبخها كل يوم إلى محتاج. تلك الطاهرة النقية التي لم تفوّت ركعة من صلواتها طوال سبعين عاماً، لم تساوم على الفرح. لم يمنعها تمسكها بالسماء من خوض حياتها البشرية بكل مباهجها على الأرض. كانت تلك الجدة تستقبل حفيداتها المتشحات بالسواد بالسخرية، وتحدثهم عن حلقات الدبكة التي كانت تشارك فيها في شبابها. كانت تلك المقاومة الأصيلة تضع بيدها منديلاً يفصل بينها وبين يد الشاب في الحلقة، فلا تحرم نفسها الدبكة. من أفتى بأن يكون التديّن مرادفاً لموت الحواسّ؟