في مقابل المدّ الديني الجارف، يسبح بعض الشباب عكس التيار. كان هؤلاء، حتى الماضي القريب، متديّنين، ثم شردوا عن الجمع، كلٌّ لأسبابه


ديما شريف
خلعت إشبيلية حجابها بعد سنتين ونصف سنة من وضعها إيّاه. ومثلما لبسته عن اقتناع خلعته عن اقتناع أيضاً. ورغم صغر سنها (20 عاماً)، فإنّها تبدو مقتنعة بقرارها، الذي اتخذته بعد أشهر من النقاشات في الجامعة مع بعض الأصدقاء في مسائل الدين، وقراءتها كتباً عدة، منها لزغلول النجار، إلى جانب مشاهدتها عدداً كبيراً من الأفلام الوثائقية عن موضوع الخلق وتطوّر الإنسان. قررت إشبيلية ارتداء الحجاب وهي في السادسة عشرة من عمرها، على أثر متابعتها دروساً دينية.
لا تصنّف إشبيلية نفسها ملحدة، ولا مؤمنة. هي تبحث عن الحقيقة، ولا تستطيع تجاهل التناقض الكبير بين العلم والدين. لم يكن القرار الجريء دون عواقب بالنسبة إلى الطالبة الجامعية، فقد عانت في كليّتها من زملائها المنتمين إلى القوى الإسلامية، الذين لم يتركوا شائعة إلّا وأثاروها حول مسألة خلعها الحجاب.
من جهتها، لم تجرؤ رندا على خلع الحجاب. فالفتاة المحجبة منذ سنوات المراهقة، تعوّدت عليه، ولا تريد أن تصدم الناس حولها بنزعه بعد أكثر من خمس عشرة سنة على ارتدائه، إلى جانب أنها تخاف ردّ فعل أهلها على ذلك. تحوّلت رندا تدريجاً من تلك الفتاة المؤمنة بكل ما يقال لها، إلى تلك الرافضة لكل ما يمثله الدين، لكن في السر. إذ لا يعرف بوضعها الجديد سوى حفنة من أصدقائها المقربين. ترى المدرّسة الثلاثينية أن العلم أحرج الدين، الذي لم يعد ينفع سوى لتخويف الأطفال، ثم تعترف بأنّ أسئلة تلاميذها في المدرسة عن الله والدين، التي لم تجد لها إجابات تقنعها هي، قبل أن تقنعهم بها، كانت السبب الرئيسي في تحوّلها.
علي الحسيني أيضاً أخذ وقته في التحوّل التدريجي من «سلفي»، كما يقول، إلى ملحد، وذلك بعد دراسة وتمحيص. لم يفقد علي إيمانه بالله، بدايةً، بل بالدين. ولكنّه اليوم لا يعيش رهاب الإيمان، إنما هو منفتح عليه ومتصالح مع ذاته. يعزو سبب تديّنه في الأصل إلى جو الضيعة التي ولد فيها، وجو المنزل الذي ترعرع فيه. فقد كان يصوم ويصلي ويشارك في الدعاء، يحيي ليلة القدر ولا يستمع إلى الأغاني. التغيير جاء ذاتياً عبر نقده لقناعاته


التغيير جاء ذاتياً عبر نقد القناعات وبعد قراءات لمفكرين مثل علي شريعتي
الإيديولوحية، بعدما قام بقراءات عديدة لعلماء مسلمين ومستشرقين وأكاديميين، كان أهمهم بالنسبة إليه علي شريعتي.
لم يتقبّل أهل علي انتقاله إلى المقلب الآخر. ولكنّه ما زال يحتفظ بصداقات من الماضي المتدين، مع أشخاص «منفتحين يتقبّلوني على ما أنا عليه».
تختلف ريما عن الباقين، إذ إنها فقدت إيمانها فعلياً بين ليلة وضحاها. حدث ذلك عندما توفي أحد أقرباء صديقتها إثر إصابته بمرض السرطان ولم يبلغ الرابعة عشرة من عمره. كانت في الخامسة والعشرين من عمرها حين بدأت تطرح الأسئلة التي لم تطرحها وهي طفلة، كما تروي. «لماذا يموت طفل بريء، فيما يطالعنا رجال الدين دائماً بمقولة أنّ الله يعاقب الأشرار؟». بدأت ريما تقرأ الكتب الدينية بعيون النقد، وتتوجّس مما يفرضه الدين، وممّن ينصّبون أنفسهم وكلاء له. في السابق لم تكن تناقش في الدين، فقد تعلّمت من تربية أهلها لها ألّا تسأل، لأن السؤال يؤدي إلى الشك وهذا ما لم تكن تريده، إلا أن موت قريب صديقتها الذي لا تعرفه، جعلها ترفض «الدين القاسي ومن يديره»، وتتحول إلى «لا أدَريّة». فهي لا تفكّر كثيراً في ما إذا كان الله موجوداً أو لا، إلّا أنّها تسأل دوماً عن «العدالة السماوية في ظل ما يحدث في فلسطين مثلاً».