هل ستوقف وزارة الزراعة سيرك الحيوانات المصري في الدورة؟ الأرجح أنها ستفعل، ولكن ذلك بعد توضيحات متوقّعة من السفارة المصرية، لجهة نفي حصول تزوير في عملية تصدير الحيوانات من مصر إلى لبنان أو تأكيده


بسام القنطار
عند الثانية من بعد ظهر أمس، أجرى وزير الزراعة د. حسين الحاج حسن، اتصالاً بالسفير المصري في لبنان، أحمد البديوي. الاتصال لا يتعلق بما بات يعرف بـ«خلية حزب الله» لكون الحاج حسن قيادياً في الحزب، والتي ترافقت مع تدهور غير مسبوق في العلاقة بين الحزب والنظام المصري، ولا سيّما خلال الحرب الإسرائيليّة على غزة العام الماضي، بل إن سبب الاتصال هو ما يمكن تسميتة «خلية الحلو ـــــ عاكف»، التي دخلت لبنان بصحبة سيرك حيوانات مؤلّف من 5 أسود وشبلة و3 نمور.
تشك وزارة الزراعة في أن المواطنَين المصريَّين اللذين ينتميان إلى أشهر عائلتين في تاريخ السيرك المصري، استخدما اسم وزارة الثقافة المصرية لإدخال هذه الحيوانات إلى لبنان لاستخدامها لأغراض تجارية، رغم أنها موضوعة على لائحة الحيوانات المهدّدة بالانقراض.
وطلب الحاج حسن من البديوي توضيحات بشأن صحّة الأوراق القانونية التي أصدرتها السلطات المصرية في ما يتعلق بتصدير هذه الحيوانات إلى لبنان، وصحّة الكتاب الذي أصدره رئيس البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، شريف عبد اللطيف، الذي يفيد أن السيرك القومي التابع لوزارة الثقافة المصرية لا علاقة له بالعملية.
في ضوء التوضيحات المصرية، التي طلب الوزير الحاج حسن أن تقدم في غضون اليومين المقبلين، سيُتّخذ قرار بإحالة ملف «سيرك مونتي كارلو» على النيابة العامة للتحقيق في احتمال حصول تزوير وإخفاء ملفات، ومخالفة إجراءات إدارية ومحجرية بيطرية في عملية دخول الأسود والنمور إلى لبنان، لاستخدامها في ألعاب بهلوانية في السيرك المقام بالقرب من مجمع ميشال المر الرياضي في الدورة.
وعلى مدى اليومين الماضين تابعت «الأخبار» عمليات التدقيق التي أجراها فريق من وزارة الزراعة برفقة رئيسة جمعية «حيوانات لبنان»، لانا الخليل، والخبير في الجمعية، جاسون ماير، للاطّلاع على حقيقة الوضع الصحي والقانوني لخمسة أسود وشبلة صغيرة وثلاثة نمور، يملكها مدرب الوحوش المفترسة في السيرك القومي المصري، التابع لوزارة الثقافة المصرية، محمد الحلو، الذي أحيل على التقاعد قبل فترة، وشرع في العمل لحسابه الخاص.
وتنظم «سيرك مونتي كارلو» شركة «ايفنتز او» التي يملكها اللبناني سهيل عبيد، بالشراكة مع المصري حسين أمين عاكف، ومن المقرر أن تستمر عروضها 3 أشهر في لبنان، مع رغبة من المنظمين في الانتقال إلى مركز بيال للمعارض والتمديد لثلاثة أشهر إضافية.
وكان من المفترض أن تُصادر هذه الحيوانات لاستعمالها استعمالاً يخالف اتفاقية «التجارة الدولية بالأنواع المهدّدة بالانقراض» (سايتس)، على غرار ما حصل مع حيوانات حسين عاكف في شباط عام 2007 في الموزامبيق. لكن لبنان رغم تقدمه على الموزامبيق بالكثير من المؤشرات الدولية، فإنه متخلّف عن ذاك البلد في ما يتعلق بآلية التعامل مع الاتجار غير المشروع بالحيوانات البرية، وذلك، بسبب عدم انضمام لبنان إلى اتفاقية (سايتس) ما يخفّف القيود المفروضة على دخول حيوانات برية وخروجها على المعابر الحدودية اللبنانية، ولا يلزم بمصادرتها وترحيلها إلى بلد المنشأ، إضافةً إلى غياب أيّ تشريع يتعلق بهذه المسألة، رغم أن الاتجار غير المشروع بالحيوانات البرية المهددة بالانقراض يصنّفه الإنتربول في المرتبة الثالثة بعد تجارة السلاح والمخدّرات. فيما تضع المنظمات غير الحكومية الدولية لبنان على لائحة البلدان التي ينشط فيها تجار غير شرعيين يعملون على إعادة تصدير الحيوانات بعد دخولها من العديد من الدول الأفريقية.
زيارتان قام بهما فريق من الأطباء البيطريين في وزارة الزراعة لخيمة السيرك المنصوبة في الدورة، الزيارة الأولى بتاريخ 27 الحالي، ولم يقدّم خلالها المسؤولون أيّ معلومات، واكتفوا بالسماح للفريق بالقيام بجولة على الأقفاص، التي توضع فيها الحيوانات. الزيارة الثانية، جرت أول من أمس بحضور الإعلام، بناءً على طلب من الوزير، وبعد شكوى تقدمت بها جمعية «حيوانات لبنان» تشير إلى مخالفات فاضحة في الوضعين الصحي والقانوني للحيوانات. وقد رفع الفريق البيطري تقريره أمس إلى الوزير بعدما عاين مجدّداً الحيوانات نظريّاً، وتبيّن أن الفريق لا يملك التقنيات التي تسمح له بتقديم تقرير متكامل ودقيق، كما رفض التدقيق في صحة الأوراق وفي الشهادات الصحية التي يحتم وجودها مع الحيوانات، بحجة أن هذه مسؤولية الإدارة المركزية.
وحاول حرّاس السيرك منع الفريق الرسمي والأهلي ووسائل الإعلام من التقاط صور، ورفضوا في البداية تقديم أيّ معلومات، لكن الاتهامات التي حاول فريق الجمعية إثباتها من خلال المطالبة بالتدقيق بالأوراق المقدمة دفعت كلاً من الحلو وعاطف وعبيد إلى التحاور مع الموجودين، إذ اتهم عاكف الجمعية بأنها «مشبوهه»، وأنها «تعمل لمصلحة الدول الغربية في محاولة لتشويه سمعة دول العالم الثالث»!
محاولات عديدة بذلها فريق جمعية «حيوانات لبنان» لإدخال ملاحظاتهم على تقرير الفريق الرسمي، إلّا أن الأخير أصرّ على وجهة نظره، التي تقول إن الوضع الصحي للحيوانات سليم، وإنه لا علاقة لهم بالوضع القانوني، واستدعى هذا الأمر تقديم الجمعية تقريراً رديفاً إلى الوزير عرض في مكتبه أمس.


اتهم عاكف الجمعية بأنها مشبوهه وتعمل لمصلحة الدول الغربية
وأشار تقرير الجمعية إلى أن الفريق البيطري التابع للوزارة صرّح في زيارته الأولى، يوم 27 كانون الأول، وفي زيارته الثانية، في 29 كانون الأول، بأنه لم يلاحظ أيّ جرح أو دم على كفوف الشبلة، فيما الصور التي التُقطت لها أثناء عبورها في الأردن تظهر الحالة السيئة للكفوف، التي لا يمكن أن تلتئم جراحها خلال الأيام القليلة بين التقاط الصور في الأردن، وزيارة الطبيب البيطري. والأهم من ذلك، أنّ الصور التي التقطتها جمعية حيوانات لبنان في الزيارة الثانية تظهر بوضوح الكفوف الدامية للشبلة المقتلعة المخالب.
وطالبت الجمعية بإجراء تقويم دقيق للوثائق البيطرية المتعلقة بالحيوانات، وخصوصاً لجهة تعارض رقم «الميكروشيب» الوحيد الملصق على الشهادة الصحية الصادر من مصر، مع أرقام الميكروشيب التسعة التي أبرزها الحلو وعاكف خلال الزيارة الثانية، والتي يرجّح أنها غير صحيحة، وأنها أُلصقت بعد دخول الحيوانات إلى لبنان في محاولة لطمس الخروج غير القانوني من مصر، الذي من شأنه أن يرتّب إجراءات إضافية من السلطات المصرية لدى العودة، لأن «الميكروشيب» يعدّ بمثابة جواز سفر لكل حيوان، وهو الذي يسمح بالتعرف إلى هويته، والتأكد من عدم إبداله أو تهريبه إلى الخارج.
وقد قرّر الوزير إعادة إرسال فريق مشترك من الجمعية والوزارة إلى السيرك للمرة الثالثة اليوم، للاطّلاع على الوضع الصحي للحيوانات، مع تولّي فريق آخر من الوزارة التدقيق في الملف القانوني لاتخاذ القرار النهائي، الذي يرجّح أن يصدر مطلع الأسبوع المقبل.


«الريّس قلّي»

منذ مطلع القرن الماضي تتحكّم في ألعاب السيرك في مصر عائلة الحلو، وكان لديها «سيرك الحلو»، وعائلة عاكف، وكان لديها «سيرك أولاد عاكف». وفي أعقاب التأميم وإنشاء السيرك القومي ضُمّ بعض أفراد عائلتي الحلو وعاكف ليكونوا نواة هذا السيرك.
حسين عاكف المتزوج لبنانية يصرّ على الوضع القانوني لسيركه. وهو سأل «الأخبار» عن «سبب هذا الهجوم علينا من جمعية الرفق بالحيوان، المدعوم من الغرب. لماذا لا يتحدثون عن مئات حلبات السيرك التي تقام في أوروبا، وأنا أتعهد أنه عندما يغلق آخر سيرك في أوروبا سوف أغلق سيرك عاكف في مصر». يضيف مشيراً إلى صورة في جهازه الخلوي للرئيس حسني مبارك (الصورة) «أنا الريس قلّي طول ما أنا عايش ما حدش حيتجرأ يقرّب ناحية عيلة عاكف».
أما محمد الحلو، فقال في معرض دفاعه عن مهنته منذ 40 عاماً: «الحيوانات دول ولادي، حد يعذّب ولادو»، ويسارع إلى شهر جواز سفره، الذي يتضمن في خانة المهنة ما يلي: «مدرب وحوش مفترسة ـــــ وزارة الثقافة المصرية».