محمود عبد الغني

المؤرخ والأنثروبولوجي المغربي عبد الأحد السبتي مثقف مزدوج اللسان، لا يستقر على حال، أو مدينة، أو موضوع. يذهب إلى زيارة المدن القديمة، ليعود إلى مدينته الحديثة الرباط، وبه شيءٌ من الحيرة: كيف تطورت المدينة، واتخذت هذا الشكل؟ ما السر في ذلك؟ لماذا لم تبقَ المدينة على حالها، فيسهل فيها إرشاد المسافر والتاجر؟ لماذا نستنفر كل الطاقة الشعريّة، ونستنفد كلّ اللغة، لوصف مدينة حديثة، ثمّ نجد أنفسنا في النهاية غير قادرين على وصف شيء؟ حالة تنتابنا أمام المدينة الحديثة، بعكس المدن وطرقها القديمة التي كنّا نصفها بكلفة أقلّ. نحكي عن الطريق التي تربط بين «ثلاث مدن قائمة البنية خالية»، وبعد المرور بمواقع قليلة، نصل إلى «خرائب القوم»... هكذا، نجد أنفسنا وقد وصفنا كل شيء: الناس والمسالك والمساجد والكنائس.
كلّ هذه الأسئلة تسكن عبد الأحد السبتي لأنّه ولدَ في مدينته الساحرة فاس. تسكنه لأنه عاشر مؤرخين بارعين في الأدب الجغرافي ووقف على أكتاف آخرين منهم البكري، والإدريسي، وابن عذاري، وابن خلدون، وابن أبي زرع، والخطيب القزويني... وغيرهم. وكأننا بالسبتي، وهو يعمل على المدن القديمة، يريد مجاراة ابن حوقل في وضع «صورة الأرض»، أو على الأصح في رسم دلالات الخراب في الأرض.
الأستاذ في «كلية الآداب والعلوم الإنسانية» التابعة لـ«جامعة محمد الخامس» اهتم بأمن السفر، والذاكرة، والغذاء، والتنوع في علم الأسطورة، ورصد العلاقات بين الممارسة الاجتماعية والتصورات.
عبد الأحد السبتي صاحب فضل في نشر فكرة أن للماضي فضلاً على الحاضر. وأنّ المدينة الحداثة ـــــ هذا المصطلح الخطير والمتشعب ـــــ تقتات من المدينة القديمة التي اندثر أغلبها، لكنّ عبقها ما زال سارياً. هكذا تراه دائم التردد على أمكنة زارها أو عمل فيها منذ سنين. تراه أيضاً في أمكنة لا تتوقع أن تراه فيها... أمكنة حديثة وراقية جداً قدم إليها بعدما شرب شاياً في مقهى شعبي. ذلك أنّ كل الأمكنة، بغض النظر عن مستواها الاجتماعي، هي أمكنة غنية جداً، وقوية جداً، وملأى بالوعود.
المهم واللافت في حالة هذا المؤرخ غير المعروف بما فيه الكفاية، هو إيمانه القوي بسلطة الوثيقة، سواء كانت تحتوي على ظواهر ومفاهيم كبرى، أو على ظواهر ومفاهيم صغرى. ما يهمّ بالنسبة إليه هو ما تحبل به من دلالات ثقافية وقيمية ومجتمعية. ولا غرابة في ذلك، فهذا المؤرخ من أكثر الناشطين الذين تباينوا في سبل تعاملهم مع الوثيقة. لنذكر هنا أن عبد الأحد السبتي أول مؤرخ يعالج مسألة أمن الطرق، ويتوقّف مطولاً عند مفهوم «الزطاط» (حارس الليل) في المجتمع المغربي.
في أطروحته الجامعية «بين الزطاط وقاطع الطريق: أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار»، الصادرة أخيراً عن «دار توبقال للنشر» في الدار البيضاء، يؤكد السبتي أنّ «الأجيال الجديدة غالباً ما تجهل الدلالة التاريخية لمصطلح الزطاطة، ولا تعرف سوى المعنى المتصل بالرشوة. كما أن فعل «زطط» كثيراً ما يستعمل حالياً في العامية المغربية، بمعنى الخبرة العملية، والقدرة على إيجاد المخرج المناسب في الظروف الصعبة. وقد نلتقي من حين إلى آخر بهذه الدلالات في الخطاب الصحافي والسياسي الذي يسعى إلى إدراج اللغة اليوميّة في مصطلحاته.
هكذا، نقع مثلاً على مصطلح «المخزن» الذي يحيل إلى الدولة الغريبة عن مفهوم المؤسسة العامة وممارستها، أو على مصطلح «السيبة» الذي يحيل إلى وضعية تسود فيها أنماط سلوكية تتجاهل الضوابط القانونية، كما يورد في كتابه. أمّا الزطاط فهو ذلك الشخص القوي والشجاع، لكن يمكن أن يكون قاطع طريق، يتقاضى مبلغاً من المال لتأمين الطريق لشخص أو مجموعة أو قافلة حتى تصل بسلام إلى نقطة وصولها. وبذلك، يكون السبتي قد ترك مفاهيم تاريخية كبرى، على رغم أنه يستعملها في أبحاثه، لينحاز إلى المفاهيم المغمورة في الثقافة العالمية، لكنّها موجودة، لا بل تتحوّل أحياناً إلى مفاهيم مسيّرة لمناحٍ كثيرة في الحياة اليومية.
كل من يعرف عبد الأحد السبتي، لا بد من أن يقرن اسمه بكتاب آخر على قدر كبير من الأهمية والاستثناء، هو كتابه «من الشاي إلى الأتاي ـــــ العادة والتاريخ» (1999). وقد أظهر من خلال كتابه النادر هذا، كيف تحول الشاي أو الأتاي كما يقول المغاربة، إلى أداة تستوعب من خلالها النخبة قيم العامة، وكيف تذوب فيه الثقافة العالمية بالثقافة الشعبية في المجتمع المغربي. وفي المحصلة، يكف الشاي عن كونه مادة للشرب والاجتماع والسمر، ليتحول إلى سبيل لمساءلة مفاهيم السلطة والبنية الاجتماعية، والثقافة والحدث...
وفي زمن الحروب والخراب، يتبع السبتي خيط مفهوم الخراب عبر التاريخ والمتون. يقف عند العمران والمدن التي تكون أول ضحية للحرب، فيتحوّل الناس من السعة والدعة «إلى الضيق والذلة والصغار والشتات والقلة»، وفق ما نقله عن ابن حوقل في وصفه لخراب مدينة «طبنة».
عبد الأحد السبتي من نوع من المثقفين الذين يؤمنون بأن كل الأجوبة عن الأسئلة المطروحة علينا، هي دائماً أمام أعيننا، لكننا للأسف لا نتعرف عليها ولا نراها. كأنه يقول لنا: إنني أتمنى لهذا العالم أن يدوم، لكن شرط أن تستمر مدننا في الوجود بعيداً عن «السيبة»، بعيداً عن «الخراب»، بعيداً عن «الزطاطة». لكن المدينة أيضاً مفهوم بغيض لأنّها تضاعف من أعداد البشر. مدننا لغز، تاريخها هو التفسير.



5 تواريخ

1948
الولادة في مدينة فاس (المغرب)

1984
الحصول على الدكتوراه في التاريخ من جامعة باريس 7، والالتحاق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط

1999
صدور كتاب «من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ»

2006
تأسيس المجلة الإلكترونية «رباط الكتب» مع الروائي عبد الحي المودن.

2009
صدور كتاب «بين الزطاط وقاطع الطريق: أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار» ــــ (دار توقبال).